لا تُكرَّس العدالة في المجتمع دون تشريعٍ صالح
Justice in society is not settled if deprived of righteous legislation
       

أضمُّ إلى مقالي هنا والذي لم تكُن لتتجرأ أية صحيفة أو مجلَّة على نشرِه، بياناً صدرَ عن أصدقاء حبيب الشرتوني وأُرسل مؤخراً لي. لما يمثِّله من نبذة قانونية مختصرة، فيما خصَّ مسألة العفو، ويُعطي للمواطنين فكرة ولو وجيزة لكن معبِّرة.

 

من المعروف أن المجتمعات الانسانية تنشأ وتنمو وتزدهر ضمن إطار من القواعد السلوكية العامة، التي تنظم علاقة الأفراد ببعضهم من جهة والعلاقة بينهم وبين المجتمع من جهة ثانية.

وهذه القواعد السلوكية العامة تتكرس بالتشريعات والقوانين الجزائية، التي تهدف إلى توجيه سلوك الفرد والجماعة في سبيل خير المجتمع والسير به نحو الأفضل وحمايته من الانحلال والاضمحلال.

وانطلاقاً من الغاية السامية التي وضعت من أجلها التشريعات الجزائية. تم اعتماد الأسس التي تعطي للفعل وصفه القانوني ، كما تم اعتماد الأسس التي تحدد العقوبات الملازمة للأفعال الجرمية وعلى رأس هذه الأسس:

الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والشخصية التي أحاطت بالفعال عند ارتكابه أو التي دفعت بالفاعل للقيام به.

والقانون وإن فرض على المواطن موجبات، طلب منه التقيد بها وانفاذها نظراً لارتباطِها بتنظيم الحياة الاجتماعية، إلا أنه أعطى الفرد في نفس الوقت، الحق بممارسة حقوقه.

ولو أدت هذه الممارسة أحياناً إلى إلحاق الضرر بالغير، شرط أن لا يتجاوز الانسان الممارس لحقوقه حدود حسن النية.

والحق المقصود هو الحق الذي يحميه القانون، ويجب أن يكون مشروعاً ولا يتنافى مع المبادئ الأخلاقية أو الاجتماعية أو القانونية. ومن بين هذه الحقوق التي كرسها المشرع وجعل ممارستها بمنأى عن التجريم:

حق الدفاع المشروع عن النفس والملك لرد كل اعتداء عليهما غير محق وغير مثار.

ويترتب على ممارسة حق الدفاع المشروع، نزع الصفة الجرمية عن الأفعال التي يقوم بها الانسان في معرض هذه الممارسة، والتي تشكل عادة جرائم يطالها قانون العقوبات.

ونزع الصفة الجرمية عن هذه الأفعال بحكم القانون يجعل فاعلها غير مسؤول عن ارتكابها.

ولقد اتفق معظم الفقهاء على أن الأساس القانوني الذي بني عليه مبدأ حق الفرد بالدفاع المشروع عن نفسه أو ملكه، نابع من حقه بالمحافظة على كيانه الانساني والاجتماعي وعن حقه في حماية هذا الكيان.

فإذا أحس الانسان بخطر يهدد حياته أو ماله أو حياة غيره من الأفراد أو مالهم، أو أحس بخطر يهدد المجتمع ككل ، دون أن يكون هناك سلطة تقف بوجه هذا الخطر أو دون أن يستطيع الاستعانة بسلطة لدرء هذا الخطر.

فإن من حق هذا الفرد أن يمارس الدفاع المشروع بنفسه وبالوسيلة التي يستطيعها حمايةً لنفسه أو غيره أو مجتمعه.

ولقد توسع الفقه بحيث اعتبر أن حق الدفاع المشروع ليس فقط حقاً، بل يتعدَّى الحق ليصبح أحياناً واجباً.

( د. مصطفى العوجى ص 426 و 427 و 428 – المسؤولية الجنائية)

وإن نص المادة 184 من قانون العقوبات اللبناني قد جاءت واضحة بهذا الخصوص وكرست مبدأ الدفاع المشروع وساوت بين الدفاع عن النفس والدفاع عن المال وبين الدفاع عن النفس والدفاع عن الغير وبين حماية الشخص الطبيعي وحماية الشخص المعنوي.

على ضوء ما تقدم.

وبالمقارنة مع الواقع الحاصل في لبنان ابتداء من عام 1975 نجد أن القتال المستمر بين الميليشيات المتحاربة، قد أدى إلى إضعاف الدولة وإلى إلغاء سلطتها، بحيث لم تعد قادرة على فرض أو تنفيذ أي قرار مهما بلغت أهميته.

وكما لم تكن الدولة قادرة على ردع المتقاتلين ومنع ما يحدث من مجازر وقتل ودمار، كذلك لم يكن في مقدورها اطلاقا منع المتقاتلين من الاتصال بأعداء البلاد – إسرائيل- أو فرض عقوبات عليهم بسبب هذا الاتصال، رغم أن المادة 274 من قانون العقوبات قد نصَّت على ما يلي:

" كل لبناني دس الدسائس لدى دولة أجنبية أو اتصل بها ليدفعها إلى مباشرة العدوان على لبنان أو ليوفر لها الوسائل إلى ذلك عوقب بالأشغال الشاقة المؤبدة وإذا أفضى فعله إلى نتيجة عوقب بالإعدام "

كما نصت المادة 275 عقوبات على ما يلي:

"كل لبناني دس الدسائس لدى العدو أو اتصل به ليعاونه بأي وجه كان على فوز قواته عوقب بالإعدام"

رغم وضوح النصين، فإن فئة من اللبنانيين على رأسها بشير الجميل ، قامت بالاتصال بإسرائيل والعمل معها ومساندتها في سبيل تحقيق أهداف وغايات فردية وشخصية.

وقد أفضت المساندة الى احتلال إسرائيل للبنان ومن ثم انتخاب الجميل رئيساً للجمهورية تحت ضغط وتهديد جيش العدو وغاراته وطائراته ودباباته ومدافعه. 

وإن علاقة بشير الجميل آنذاك والتنظيم المسمى " القوات اللبنانية " بإسرائيل ، علاقة ثابتة وأكيدة، يعرفها القاصي والداني مما يجعل عمله وعمل التنظيم الذي كان يرأسه، واقعاً تحت طائلة قانون العقوبات وبالأخص المادتين 274 و 275 المذكورتين أعلاه.

وقد كان احتلال إسرائيل للبنان بمساعدة القوات اللبنانية، التي يرأسها بشير الجميل ، صدمة لمعظم اللبنانيين. إلا أن الجميع وقفوا مذهولين ومشدوهين، ما عدا قلة قليلة زادتها المصيبة إيمانا بوحدة البلاد وبأصالة الشعب، ومن بين هذه القلة شاب في الرابعة والعشرين من العمر – يدعى حبيب الشرتوني – أبت كرامته عليه أن يستكين للذل، نتيجةً لغياب السلطة اللبنانية، وبتفويض من المجتمع وبمساعدة مسؤول في حزبه. نفذ إرادة الشعب في بشير الجميل وأنزل العقوبة المنصوص عليها في القانون. فكان بعملِه هذا خير مدافع عن مصلحة الشعب ومصلحة المجتمع، ودفاعه هذا هو دفاع مشروع ينفي عن عمله صفة الجرم ويسبغ على هذا العمل صفة البطولة.

ووقف حبيب الشرتوني والعز يكلل هامته يقول بجرأة في مؤتمر صحفي وهو أسير بين أيدي مضطهديه من القوات اللبنانية: " لقد قتلته لأنه باع نفسه لإسرائيل " وإن تهليل أبناء الوطن ورصاص الابتهاج ليلة وقوع الحادث، لشهادة حملها حبيب الشرتوني. أعقبها انتشار صوره في بيروت وكافة المناطق مسطر عليها " لكل خائن حبيب " ودفع حبيب ثمن موقفه الشجاع غالياً، دفع سنوات عديدة من عمره في عذاب يفوق عذاب جهنم، كما دفع والداه والعديد من أقاربه الأبرياء حياتهم، ثمناً لموقف أنقذ البلاد ووجه ضربة قاصمة لإسرائيل.

ورغم أن العمل الذي قام به حبيب الشرتوني ونبيل العلم هو من قبيل الدفاع المشروع عن النفس والمال والبلاد والهوية. فإن القضاء أصدر بحقهما مذكرة توقيف وأحيل ملفهما القضائي إلى المجلس العدلي. كي تستثنى المحاكمة من مفاعيل قانون العفو الذي صدر عام 1991 والذي تم بموجبه العفو عن جميع الجرائم السياسية لا بل طال منها غير السياسية أيضاً والمرتكبة فترة الحرب.

ورغم أن الجرم، إن صحت تسميته بجرم، هو جرم سياسي بحت وينطبق تماماً على تعريف هذا الجرم: أي الذي يرتكب بدافع سياسي محض ولغاية سياسية متجردة عن المصلحة الشخصية وبعيدة كل البعد عن الأنانية.

ورغم الاستثناء غير الدستوري الذي شاب قانون العفو عندما نص على استثناء الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي من تطبيق قانون العفو.

ورغم الانتقادات التي وجهت يومذاك إلى قانون العفو المشار إليه بسبب هذا الاستثناء الجائر والمخالف للدستور البناني الذي ساوى بين جميع أفراد المجتمع.

رغم كل ذلك.

نجد اليوم مجلس النواب يبحث في تعديل جديد لقانون العفو يكرس ظلماً جديدا، حيث عاد وصدق على مشروع العفو عن سمير جعجع الذي حمل لواء وأسلوب وشعارات بشير الجميل بعد مقتله. ويستثني من هذا العفو حبيب الشرتوني ونبيل العلم وكأني بمجلس النواب يمنح الحرية للمتعاملين مع إسرائيل ولمرتكبي سلسلة جرائم سياسية، إنما لغايات شخصية وفردية. ويعاقب من وجه لإسرائيل ومشروعها ضربة قاصمة وارتكب جريمة واحدة سياسية بحتة.

إنها صرخة من القلب يطلقها أصدقاء حبيب الشرتوني ، موجهة للوطنيين في هذا الوطن كي يتحركوا قبل أن يسبق السيف العدل أو يظل سباقاً عليه، من خلال إصدار قوانين مدموغة بوصمة عار على جبين المجتمع كله. وهو أمر ان بقي قائماً دون تصحيح، وشملَ بعد حين المتعاملين من جيش لحد مع العدو والمرتكبين مجازر على أهلنا في الجنوب، سيكون انطلاقاً لحرب جديدة لا هوادة فيها ولا انكفاء.

   

بيان أصدقاء الشرتوني

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية