من الغرائب والعجائب التي نسمعُها في هذا الزمان، ليسَت حكاية إبريق الزيت أو سواها من الحكايات القديمة والمثيرة للدهشةِ وللإعجاب.     

إنما حكايا يومية تطالُعنا في وسائل الصحافةِ والإعلام، كلَّما ( دقَّ الكوز بالجرَّة ) أو ارتفعَ صوتُ أحدنا مطالباً برفعِ ظلمٍ أو إحلالِ عدلٍ أو تبيانِ حقيقة دفينة.

والمثير للدهشة هنا لا بل للاستهجان، هو أنَّ هذه الحكايا السوداوية - والتي تأتينا على شكلِ أقاويلَ مُلفَّقةٍ ورواياتٍ مشبوهة أوملغومة وأكاذيبَ لا متناهية - تصدرُ في أحيان، عن قياديين في الدولة وفي القوى السياسية، يعتلون مواقعَ متقدِّمة ومتنوِّعة وحسَّاسة، كما عن رجالِ دين مؤازرينَ لهم - على غرارِ ما حصل في أوروبا القرون الوسطى، منذ مئات السنين - يتنصَّبون فوق عروشِ وصروحِ الطوائف اللبنانية، المعروفة - لدى ممارستها لحقوقها وواجباتِها الوطنية والسياسية وربما الأمنية والحربية أيضاً، مثلما فعلت منذ زمن غير بعيد - بحبِّها للوطن الموحَّد والجامع، وتضحيتِها في سبيل الحفاظ عليه من كلِّ شرٍ مستطير.

ولهذا لا نجدُ عندنا سوى المشاكل والإشكاليات وما شابه من تشكيلاتٍ عقيمة، تُغرقُ الوطنَ والمواطن في فوضى عبثيَّة وفي ألغاز معقَّدة وفي أزمات حادَّة، بحيث لا يجدُ طريقَه للخروجِ أو للنفاذِ منها، إلاَّ بعد دنوِّه من سنِّ التقاعُد وبعد الاتّكال على الله وعلى صبرِه ونفسِه حتى إشعارٍ آخر.

وبعد كلِّ ذلك يستغربُ هؤلاء أمام الشاشات والكاميرات، وبكلِّ براءة وتفاجؤ واستنكار، كيف وصلت الحالة الاقتصادية والسياسية والأمنية أو العامة، إلى ما وصلت إليه!!

فيُعتقلُ في هذا المناخ الموبوء والمُصادَر الإرادة، الشبابُ ويلاحقون ويُسلَّم المناضلون ويُنفى المقاومون ويتَّهمون بشتَّى التهم، فلقد عرَّضوا وفق إعلاناتِهم، الجمهوريةَ الشَهمة -  لا الهشَّة -  للخطر.

والمفاهيم السياسية الصحيحة - لا المريضة - للخلل، والقوانين المطبَّقة والمستقيمة - لا المزوَّرة أو المُغيَّبة - للانهيار، والمتعارف عليه من توافقٍ دائم ومتين - لا آني وعقيم - للزعزعة، والامتيازات المحقَّة والموزَّعة بحقّ - لا الموروثة بغير حقّ والبائدة - للاندثار.

وهكذا اعتدْنا منذ زمنِ الاستقلال، أن نُعامَل نحن وكل الجماعات التقدمية والعلمانية والوطنية الحقيقية.

لأنَّ بظلِّ هكذا مفاهيم ملتوية، اضطُهد الأنبياء والقديسون وصُلب يسوع وأوقِعَ ببناة الحضارة والإمبراطوريات واغتيلَ أو أُعدِم القادة النهضويون والإصلاحيون، واستبيحَ مصيرُ الأجيال.

ولم يتوقَّف الأمر عند الذين من قبلِنا، حتى يتوقَّف عندنا، أو ربما عند الآتينَ من بعدنا.

ومن هذا المنطلق يتدخَّلُ غبطةُ البطريرك ونيافةُ الكاردينال، يومياً في شؤون الأمن والسياسة.

إلاَّ إذا كان متواجداً في الفاتيكان - حيثُ لا يمكنُه أن يأخُذ راحتَه تماماً - أو كان منشغلاً جداً في إدارة شؤون الكنيسة، أو مترقباً ومنتظراً مع بقية اللبنانيين حدثاً ما، حتى يعطي رأيه بعصبيَّةٍ أو بسخريةٍ أو باستخفاف أحياناً إلى الصحافيين المتوسِّلين إياه، النطقَ بأي كلام من هذا العيار والصنف. لأنَّ عملَه طبعاً واختصاصَه الرديف، هو في الأمن والسياسة!! وقد أبيح له من الربِّ ما لم يُبح لسواه، حتى أمسى مرجعيةً سياسيةً يُقتاد بها، وتُستشار أو تُراجَع في الشاردِ والوارد.

بحيث حوَّل أيضاً صرحَ البطريركية، إلى أنشطِ مقرٍ سياسي، غلبَ عليه الطابَع الحزبي، بين سائر المقرَّات.

وبدلَ أن يحذوَ حذو المسيح معلِّمه ويعطي لقيصر ما له، يعلِّم يومياً قيصرَ ما عليه أن يفعل، لأنه قاصرٌ من وجهةِ نظرِه وقصير النظر.

فهل يجوزُ هذا في الدين أو في قانون الكنيسة، وأين جازَ حتى نطَّلعَ عليه؟!

وإذا أجيزَ حسب تفسيراتٍ معيَّنة لبعض النصوص الدينية، التي تبيحُ تدخُّل الكنيسة ورجالاتها إيجابياً لا سلبياً بالطبع في شؤون الشعب وشجونه.

أو أجيزَ حسب إجراءاتٍ إدارية بحتة أو إنسانية.

فلماذا لا نرى بقيةَ الكرادلة والبطاركة حول العالم يفعلون ما يفعلهُ؟!

وإذا صادفنا أحدَهم يُعطي رأيَه في الحياة السياسية وفي مجرياتها، لماذا يكتفِ بإعطاء القليل من الرأي دون بلوغِ هذا المقدار؟!

وهل يسمحُ هذا الامتياز لغبطتِه بالتحيُّز إلى فريقٍ ضدَّ فريق، والادِّعاء في الأخير بأنه لم يفعلْ أبداً؟!

أو يسمحُ له أيضاً أن يتَّهمنا دون تسميتِنا وخلالَ عظةِ القدَّاس، بالانحراف ويتناولنا بأوصافٍ لم نُعهَد يوماً بها؟

هل قتلَ حبيب الشرتوني نيابةً عن بشير الجميل الآلاف؟

وما سيرة القتل على الهوية التي ذكرَها غبطتُه ومارستْها الميليشيات الطائفية، التي بيعَ من أجلِ تسليحها وتدريبِها في البدء، مساحات شاسعة من أملاك بكركي وأوقافِها!!

وهل سنُمسي نحنُ في نهاية المسرحية الهزليَّة، القتلَة على الهوية؟!

وأية هوية مذهبية قتلنا، المسيحية أم المحمدية أم الموحديَّة؟

فيما حاولنا إنقاذ الناس من ذاك الاقتتال، وكنَّا الوحيدين - مع قلَّة من بين الأحزاب - المنتمين إلى كل الطوائف والمناطق والعائلات، والمتمسِّكين لهذا السبب ولأسباب عقائدية، بالعلمانية ونبذ الشحن المذهبي.

وهل تعامَلنا مع العدو يوماً وتوسَّلناه اجتياح لبنان، خصوصاً عبر الأميركان حتى يعتلي أحدُنا كرسي الرئاسة فوق الأنقاضِ والخراب؟

هل أسأتُ شخصياً إلى عددٍ لا يُحصى من الناس الأبرياء، بمختلف أنواع الإساءة؟

هل فعلتُ حقاً ذلك؟!

وهل ينطبقُ علينا في هذا الحال، قول المسيح، كما ادَّعى:  

مُبرر الإثم ومؤثّم البار، كلاهما رجسٌ عند الرب؟!

فيما استوحى أو استخلصَ غبطتُه هذا الكلام على طريقتِه من وحي آياتٍ إنجيلية عدَّة.

أم أنَّ المار والبار صفير يقصدُها معكوسةً ومن الجهة المقابلة؟

ألم يقرأ الآية القائلة:

" ولكثرةِ الإثمِ تبرُدُ محبةُ الكثيرين ". متى 12:24

وأيضاً في صيغةٍ لغوية مشابهة، جاءت من نسخةِ إنجيلٍ ثانية:

" ويزدادُ الإثْم، فتَفترُ المحبةُ في أكثرِ الناس ".

أو يُطلِع ضيوفَه الكثُر، على ما جاء في رسالة القديس يعقوب، طالما يحبُّ الشرحَ والتفسير، وإطباق الكلام اللاهوتي على واقع الحياة:

" فاللسانُ نارٌ عالمُ الإثمِ. وهكذا جعلَ في أعضائنا اللسانُ، الذي يدنِّسُ الجسمَ كلَّه، ويضرمُ دائرةَ الكونِ، ويُضرمُ من جهنَّم ".  يعقوب 2:3

وأيضاً في نسخةِ الإنجيل الثانية:

" واللسانُ نارٌ أيضاً وعالَمُ الإثمِ. اللسانُ بين أعضائنا يُدنِّسُ الجسمَ كلَّه ويحرقُ الطبيعةَ في سيرِها ويحترقُ هو بنارِ جهنَّم ".

ثمَّ يأتينا العماد ميشيل عون، ليستهجنَ المطالبة بالعفو عن مغتالي بشير الجميل، فيما لم يستهجنْ أبداً، كيف أغرقَ قبل سبعةَ عشر عاماً هذه البلاد في بركةٍ من الدم، فحلَّ الدولة ومجالسَها، وفتحَ حكومةً على حسابه.

سنَّ لها القوانين التي ناسبتهُ وعملَ بها، وكأنَّ لا أحداً سواه مقيمٌ هنا في هذا الوطن.

أطلقَ مدافعَه وسدد رصاصاتِه وأشعلَ حروبَ تحريرٍ واهيةٍ وإلغاء واهم، وقُتل المئات بل الآلاف، لأسبابٍ وجيهة برأيه، لأن رأيه هو الصائب، لكن للهدف، الذي يتكشَّف دائماً بمفهومِ وطموحِ تلك الشريحة من الناس، بأنه السلطة والنفوذ.

والسلطة كما النفوذ بعيدان طبيعياً ومنطقياً عن كلِّ متناول وكلِّ يد. 

فقد استهجنَ العفو عن قاتل الجميل، ليس لأسباب إنسانية أو حقوقية، وليس لأنه صانَ بالتعاون مع الدكتور جعجع في المواد الحربية لا الطبية، المناطقَ المسيحية الشرقية، ومنعَ سقوطَها بأيدي خصومها العسكريين والسياسيين، الذين دخلوها بعد تماسُكِها خمسةَ عشر عاماً، وغيَّبوا بالتالي قرارها وموقفَها، وعادوا ليحكموها بعد ذلك وبسبب ذلك خمسةَ عشر عاماً أيضاً. 

إنما وقفَ ضد التبرئة، وفاءً لذكرى حلفِه العتيق مع مؤسس القوات وقائدها، واشتراكِه

إلى جانب بعض الضباط والعسكريين، في تغطيةِ ارتكابِه للمجازر في المخيمات الفلسطينية. 

ووفاءً بالتالي لشقيقه، الذي تلاه في الرئاسة وسلَّمه عن سابق تصور وتصميم عنقَ البلاد. عندما اضطُرَّ لأن يرتحلَ عن كرسيه، دون أن يحقق كل أمانيه ودون أن يوافقهُ العباد بالأصل على المكوثِ فوقه ولو دقيقة واحدة.

فأراد الانتقام من غالبية المجتمع واختارَ عسكرياً مخلصاً، يحبُّ التدميرَ لهذه المهمة الخاصة.

ولكن هل بإمكان العماد الذي أمسى عاقلاً بعد بلوغه السبعين من العمر، ومتطورَ الأفكار بعد إقامته في فرنسا المتطوِّرة والمتحضِّرة، أن ينكرَ سببَ امتناعِه الحقيقي عن إضافةِ اسمِ مرشحٍ قومي على إحدى لوائحِه؟

أليس السبب كما يتبيَّن وبعيداً عن المبررات الشكلية والمناورات السياسية، عدم مسامحته محاولة اغتياله في قبرص؟

وهل أغفلَ عن أن المعلومات التي بلغتْه وأنقذتهُ من حتميةِ الموت، جاءته على الأرجح من أحد القوميين؟

وهل يُنكر الشبهات الدائرة في فلك اغتيال رينيه معوَّض، ومن كان المستفيد الأول وربما الأوحد من هذا الاغتيال الذي أزاحَه من طريقِه؟!

قصدتُ طريقَ بعبدا، المُغلقَة في الأصل أمامه.

ولو تبيَّنت فيما بعد ووفق المنطق والأصول، مختصرَة ووعرة على سالكيها غير الشرعيين.

ولأنَّ هذا الأخير والمرحوم حسبما عُرف عنه، كان حليفاً لسوريا أكثر من الياس الهراوي؟

وهل ينكر هكذا وببساطة وعنوةً عمَّا عُرف عن تحركاتِه ونُقِل عن نشاطاتِه، ضلوعَه في محاولات اغتيالِ شخصياتٍ عديدة، دون أن يوفَّق بالوصول إليها أو إلى جميعِها؟؟

أما أمين الجميل المنغلق في آرائه غير القابلة للنقاش، والخائف على نفسِه بشكلٍ غير طبيعي، يدلُّ إن دلَّ على سلوكِ فاعلِ الخير.

ما جعلَه يأمرُ مرافقيه بالاعتداء على عناصر الأمن الداخلي بعد عودتِه إلى منطقتِه، كما فعلَ خلال الحرب مع مقاتليه حيال الناس المقيمين من حوله أو في مناطق سيطرتِه.

والمدعوم ( دون مقابل ) من الولايات المتحدة 24 ساعة على 24، والذي أعفوه من كل الفضائح والصفقات المالية، التي أهارت الليرة اللبنانية وحوَّلتها إلى قطعةِ نقودٍ صغيرة، كما أفلست خزينةَ الدولة، وهيَّأتها للاستدانة.

فيما لم يسألوه حتى عن الارتكابات الإجرامية، التي أودت بالذين كنتُ أسمعهم يُعذَّبون في وزارة الدفاع، قبل أن يودعوا المقابر الجماعية، التي لم يسألوه وبحدودِ الدنيا عن أمكنةِ وجودِها!!

فأين الآلاف من الشبان الوطنيين، المنتمين إلى مختلف الأحزاب اللبنانية؟

وكيف يُقتادون ويُخطفون من بيروت والمناطق في عهدِه، على يدِ جيشٍ نظامي لا ميليشيا،

دون أن يُعادوا إلى ذويهم؟!

وهل بإمكانه العودة للزَعم، بأنَّ لا علاقة له باغتيال رشيد كرامي، بعد أن طويَ الملفّ؟

والذي شكَّل عبئاً حكومياً وسياسياً على رئاستِه، ولو أدير الاتهام صوب العميد مطر، الذي زُجَّ نيابةً عنه في القضية، ريثما أطلق سبيلُه وعوِّض عليه مالياً واعتُبر بريئاً.

وما مصلحة العميد مطر الشخصية وغير الشخصية في هذا الاغتيال؟!

وهل ينكر أيضاً ضلوعَه في محاولة اغتيال عدوِّه السابق، الذي أشعل بالتعاون معه جبهات الجبل وحليفِه الحالي وليد جنبلاط في الصنائع؟!

وهذا الوليد الذي صرَّح عقب ترشُّح بشير الجميِّل إلى منصب الرئاسة، بأنَّ فريقاً من اللبنانيين ويعني بهم أكثرية الدروز، سوف ينتقل إلى سوريا للعيش فيها، لو انتُخب بشير، عادَ وردَّ بعد زمنٍ وجيز على اعتداءات واستفزاز القوات - وعقبَ إزاحةِ بشير عن كاهلِه، ومحافظتِه بفضل ذلك وبفضلِ دعمِ الإخوة له في الشام على نفوذِه في الجبل - بطريقةٍ أدَّت إلى كارثةٍ وطنية وإنسانية، لا تقلُّ أهميةً عن عملية الانتقال، التي كان بصدد القيام بها.

ونتساءل هنا عن السبب الفعلي الذي دفعَه إلى التشبُّث بموقفِه وبردِّ فعلِه، لمَّا عبَّر عنه خلال إحدى مقابلاتِه مع أحد أركان الجيش السوري، قائلاً ومُعيداً:

أريدُ أن أذلَّ المسيحيين!!

فيما أجابَه الآخر: لكنهم عرب يا وليد بيك ولماذا تريدُ إذلالَهم؟

فلقد قُتل منهم خمسةُ آلاف وبطريقةٍ شنيعة، دون التمييز بين وطني وانعزالي ومحايد.

وهُجِّر إثر ذلك من الجبل والبقاع الغربي وإقليم الخروب 350 ألفاً، أي ما يتجاوز تقريباً عدد كل الدروز في لبنان.

فلو اقتصرت القضية على الثأر والثأر المُضاد مع ميليشيا القوات، دون وجود أسباب شخصية ومزاجية "مبهمة"، لما كلَّفت هذه الأثمان الباهظة!!

لكنهم يبادروننا - كلَّما نطقنا بكلمة واقعية، تصويباً لما يُقال أو تصحيحاً للمسار أو تعليقاً على ما يجري - بأننا واقفون ضدَّ الوفاق والمصالحة التي تمَّت، أكان في الجبل أو في أيِّ منطقةٍ أُخرى.

فيما دفعنا ثمنَ التوصُّل إلى التوافق الداخلي والمصالحات، غالياً جداً.

بحيث لا تنمو القوى الداعية إلى نُظمِ الحداثة، إلاَّ بظلِّ السلم الأهلي والأجواء المطوِّرة للفكر والإنسان، بعيداً عن لغةِ الغرائز والتطرُّف والتخلُّف، التي تنمِّي وتقوي تياراتِ الانعزال والفئوية.

وإذ نقفُ إلى جانب الوفاق الحقيقي والدائم، لا نخشى على أنفسِنا، إنما على مستقبلِ لبنان من الزيفِ والباطل. 

ومن هذا المنطلق الصريح والمباشر، يمكن أن نفهم أيضاً مسألة أساسية وتاريخية، لعبت دوراً هاماً في الحياة العامة عندنا، وتتلخَّص في الطرح الآتي: ما الذي جعلَ كمال جنبلاط وإن كان زعيماً وطنياً ورائداً فكرياً، يقفُ دائماً وابنُه من بعدهِ، ضدَّ مواقف رئاسة الجمهورية؟

أفلأنَّ التقدمية تعني وفي القاموس السياسي أو الأيديولوجي، تناول رؤساء الجمهورية تباعاً والتهجُّم بشكلٍ شبه آلي عليهم؟

وهل جرى شيءٌ من هذا القبيل في أيِّ بلدٍ حول العالم؟!

وهل تمَّ في أيِّ دولةٍ أو أمةٍ، رفض مقام الرئاسة مهما تنوَّع الرؤساء، والادّعاء في الأخير بأنّ أداء زيد الأول أو الثاني وبعدهما عبيد الأول حتى الخامس، هو السبب؟

أم أنَّ المشكلة الحقيقية هي في أنَّ الرئيس ليس من آل جنبلاط؟!

طالما أنَّ الدروز بقيادة فخر الدين المعني الكبير، استطاعوا إقامة إمارتهم. وقد أعطى المير كيانيَّة

معيَّنة للبنان الكبير، قبل أن يمنحهُ المندوب السامي استقلالَه. عندما ضمَّ إليه - كجبل وكمركز للإمارة - الشمالَ حتى حلب والجنوبَ حتى سيناء.

لكنَّ السيد وليد لا يحبُّ فخر الدين وقد لا يطيقُه، كما أعلن في أحد الأوقات.

ما يعني أنَّ المشكلة ليست في نقل الرئاسة من الموارنة إلى الدروز، مكافأةً لهم على إيجاد الكيان السياسي اللبناني، بل هي في تحقيق طموح العائلة الجنبلاطية القيادية الكريمة، والغنيَّة أصولُها عن التعريف.

أما صولانج توتونجي التي لم نستغرب لبنانيتَها - كمئات الآلاف من الأرمن الذين حلُّوا بسبب مأساتهم ضيوفاً علينا، ثمَّ عملوا بجدّ ومثابرة حتى باتوا مواطنين لبنانيين، جديرين ومُنتجين وراضين - أفحمتْنا بمزايدتِها في لبنانيتِها وكرهِها لموطن المدينة الشمالية، التي استضافتها وآل توتونجيان وهي في طريقِها إلينا. حتى شبَّهتُها في لحظات بالعمَّال الإسبان أو البرتغال، الذين يستَعدونَ بدافع الحرص الشَكلي على فرنسا، الأجانب وعلى رأسهم المغاربة، فيتَّهمونهم وفورَ حصولهم على الجنسية الفرنسية، وبعد انتظارِها سنواتٍ طوال، بشتَّى التهم اللاوطنية واللاأخلاقية واللاحضارية.

ولكن ما يتحفُنا فيها، هو ليسَ كيفَ وصلت إلى النيابة بالتزكية، لكن هو كيف وصلت عن المقعد الماروني؟

ومن هو الذي جلبَها إلى تلك الطائفة، التي لا نجدُ في صفوفها عدداً من المواطنينَ الأرمن، إلاَّ ربما بالصدفة؟؟

ولو وصلت دون جميلِ الأصوات الناخبة والتابعة لأقاربِ وأهل الذين كانوا يُقنصون يومياً بالمئات ويُقتلون بالسيارات المفخخة وبالهواوين المضادة للأفراد، تحت أوامرَ صارمة من زوجها، القائد الشهيد التوافقي والوطني.

وهل تأييدُها الشخصي لجوني عبدو ولقاءاتِهما أثناء إقامتِهما في باريس، جاءت مكافأةً له على عملِه ومجهودِه لإيصال زوجها إلى الرئاسة؟

كما صرَّح بنفسِه في إحدى الحلقات الوثائقية التلفزيونية؟

فمن سمحَ له - كمدير لجهاز مخابرات الجيش آنذاك - العملَ في السياسة، للاختيار بين الرؤساء وتسهيل عملية وصولِهم؟

وعلامَ شنُّوا في الأمس القريب هجوماً على تدخُّل الأمنيين في السياسة، فيما لم يتوقَّف هذا التدخُّل منذ عهد الشهابية، وربما منذ كانَ الجيش وكانت الدولة؟

وهل تسترسل بعد كلِّ ذلك في القولِ عنَّا - كلما سنحت لها الفرصة - بأننا مجرمون وسفَّاحون، نمارسُ القتلَ والإرهابَ والإجرام؟!

وهل فعلنا ذلك غيرَ مرةٍ واحدة، لنضعَ حداً لبشيرِها ليس إلاَّ؟!

أمَّا إطلاق عشرات الأقاويل المُعيبة أو المُضلِّلة عن أهلي وأقاربي - المتوفِّين استشهاداً تحت تنكيلِهم وتعذيبهم للنساء وللرجال على حدٍ سواء - فقد جاء أيضاً في معرضِ متابعتِهم للقضية وإحلال العدالة فيها؟!

ثمَّ راحوا ينعتونني في وسائل الإعلام بالعميل السوري، أو بالعميل لأجهزة المخابرات السورية.

ويجهدونَ أنفسَهم بعدها بسنوات وفور اختراع الانترنت، على بناء أكثر من مئةِ موقع، مع تجديدهم أو تغييرهم بشكلٍ شبه دائم، إصراراً وتأكيداً على المقولة، وترويجاً لسلسلةِ أكاذيب بشأني وبشأن أهلي وأخلاقنا وتفاصيلَ عدَّة، حتى طرأ على هذه السلسلة في الفترة التي أعقبت حصول أول مؤتمر صحافي لأصدقائي في بيروت، بعضُ التفكُّك أو التبخُّر من الشبكة الالكترونية. ما أثارَ  على ما بدا حفيظتَهم، ولوَّح ببدء قول الحقائق على سجيَّتِها، كما عرفَها ولا زالَ يعرفُها كثيرٌ من الناس.

ريثما استعادوا بعد حين العشرات من تلك المواقع وأدرجوا في بعضها معطياتٍ وتحليلاتٍ جديدة، أُضيفت لما احتفظوا به من القديمة.

لكن كيف بإمكانهم إقناع الرأي العام، بأنني ( عميل ) لسوريا أو لأيٍّ كان!!

ولم تعمل أجهزةُ استخبار تلك الدولة ولا مرَّة - عندما كانت متواجدة في لبنان وموصوفة بأنها الآمر والناهي فيه - على مساعدتي في نيل العفو أو في استصدار قوانين خاصة بي، على غرار القوانين التي استُصدرت فيما بعد عن سمير جعجع ورفاقه ومن بينهم مفجِّري الكنائس وقاتلي المصلِّين فيها؟!

ومتى كانت تهمةُ العمالة توزَّعُ من العملاء الحقيقيين؟

ممن لم يكتفوا في الماضي بالتعامُل مع العدو، بل رهنوا من أجلِه أنفسَهم ومصيرَهم ومستقبلَ أبنائهم، وأدخلوا البلاد كما أدخلونا في دوَّامة.

ثمَّ راح مغتربوهم ومسافروهم - ودون أي خجل - يفتِّشون بين الدول الأجنبية وأجهزةِ استخباراتِها، عمَّن يجنِّدُهم ويموِّلُهم ويدعمُ ميليشياتِهم المقيمة!!

وكيف سيتمكَّنون اليوم مع حلفائهم - الذين يؤيِّدون توجهاتِهم. وبالرغمِ من تصريحاتِهم ومواقفِهم المُعلنَة كلامياً، لعدم انسجامِها مع واقع ممارساتِهم الفعلي - الامتناع عن توسُّل عودة التدخُّلات الخارجية بقوة إلى بلدِهم، والكفِّ عن وضعِ أنفسِهم تحت مظلَّة المصالح الأجنبية؟!

ومتى كان على أيِّ حال، الوعي القومي الناتج عن الوعي الثقافي والعام، والداعي للتفاعل مع المحيط الجغرافي، الذي فصلَه الانتداب لغاياتٍ معروفة، ما زالت مفاعيلُها مستمرَّة.

أو كانَ الالتزامُ بالقضايا القومية والوطنية، الحافزُ على البذلِ والتضحية في سبيلِ الوطن والمجتمع، يُعرَّفان بالعمالَة؟!

وهل الواعون لهذه الأشياء مسؤولون عن التصرفات الخاطئة والسيئة؟!

وهل هم محسوبون جميعاً على قياداتٍ حزبية فاسدة، وساعية - بظلِّ استفحال الفساد في الطبقة السياسية - إلى تأمين أغراضِها ومصالحها الشخصية؟

فنراها تارةً تتنكَّر لمواقفها السابقة ولتاريخها ولمبادئها وللشهداءِ والتضحيات.

أو تنهكُ مؤسساتها الحزبية بشتَّى الوسائل المبطَّنة، وتغرقُها بمختلف الفضائح والمهاترات والخلافات الجانبية. ثمَّ تستقدمُ إلى المسؤوليات المركزية والفرعية كلَّ الوصوليين، المستعدِّين لأي تنازل لقاء مصالحهم. وتستبعدُ كلَّ الفاعلين والمثقَّفين والمنزَّهين عن الغايات الخصوصية، تهرعُ نحو الامتيازات لتتقاسمها أمام الجميع، غيرَ آبهةٍ بما يُقال عن سُمعتِها. وتتنافسُ على المكاسب والمناصب، لتتشبَّه بما يفعلهُ الآخرون، حتى أمسَت أحزابُها وإداراتُها متمحورةً حول أشخاصِها ومُلخصَةً بهم وبأزلامهم.

وقد بدأ الفشلُ الذريعُ بدلَ النجاح والانحسارُ بدل الانتشار والسقوطُ التام بدلَ النهوض، بالظهور جلياً عليها وعلى أدواتِها وأدائها!! لأنَّ قاعدتَها الشعبية - وعلاوةً على الظروف المؤاتية أم المُعاكسة لها- مختلفةٌ في نشوئها وتكوينِها وآرائها، عن بقية القواعد الشعبية ذات المحسوبية العائلية أو الطائفية.