|
|
|||||
|
نفحات الوردتين |
وفيما أردنْا إضافةَ نصٍّ خاصٍّ بعائلةِ الشرتوني العريقةِ لغوياً وأدبياً، لم نجدْ تعبيراً عمَّا نعيشُه، ونشعرُ بهِ في يومنا هذا، أبلغَ وأرقى مما وجدناه في كتاب "نفحاتِ الوردتينِ"، المدوَّنِ منذُ مئةِ عامٍ بقلم " أنيسة وعفيفة " ابنتي " الشيخ سعيد " أحد أجداد الأمين حبيب، واللتين رحلَتا باكراً جداً في مقتبلِ عمرِهما.
لمحةٌ في الحرية والعبودية والاستبدادِ والإصلاح
أربعُ كلماتٍ رنَّت في مهابِ الرياح الأربع، وصارت كأنها سمةٌ على جبينِ هذا الزمان، فلا ترى إلا قائلاً: " ما هذا الاستبدادُ " زمانُ الاستبدادِ مضَى، أو قائلاً: " هذا زمانُ الحريةِ " ما بقيَ فيه عبوديةٌ، أو قائلاً: " الإصلاح الإصلاح " لكن يا للأسف فأكثر من تسمَع من أفواههِم تلكَ الكلمات الحلوة الطنَّانة، إذا راجعتَ فهرستَ أعمالِهم وجريدةَ حوادثِهم، لم ترَهم من أنصارِ الحقِّ، ولا من جيرانِه. وعلمتَهم أعداءَ الحريةِ والإصلاح، ورأيتَهم متى قدِروا استبدُّوا، وظلَموا، واستطالوا، ومتى ضعِفوا ذلُّوا، وداهنوا، وكانوا أدواتِ شرٍ في أيدي الأشرار، وربما كانوا أدواتِ خيرٍ في أيدي الأخيارِ. ورأيتَ أكثرَ من يدَّعون الإصلاحَ هم كالذين صوَّرهم الطغرائي بقولِه: غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجَت مسافةُ الخلفِ بين القولِ والعملِ * * * * * إنَّ المطالبةَ بالحريةِ والإصلاح، وكسرِ نيرِ العبوديةِ والاستبداد هي أمارةُ النفوسِ القوية الأبية، وهي اليومَ واجبٌ لا يُقدَّم عليه واجِبٌ. فقد انتشرَ الفسادُ في الأخلاقِ، وفشى الاستبدادُ حتى وطئت أحكامُ الشرائعِ العادلة بالأقدامِ، لكن بأقدامِ مَن؟ بأقدامِ الذين جلسوا بقوَّتها على مناصبِ الحُكمِ، وقُيِّدت الأقلامُ والألسنةُ. فلا جريدةَ تجرؤ أن تنبِّه على مظلمةٍ، ولا خطيبَ يجرؤ أن يشيرَ إلى خيانةٍ. فسادَ بهم الظلمُ على العدلِ، وتسلَّط البُطلُ على الحقِّ، ولا غروَ فقد ماتتِ الضمائرُ، وسكنتِ الزواجرُ، وذهبَ الحياءُ. لكن ليتَ شعري من هو القادرُ أن يحملَ هذا الحِملَ الثقيل، وهل يحملهُ إلا ذوو نهضةٍ تحت عَلَمِ الضميرِ الزاجرِ عن الظلمِ الآمرِ بالعدلِ. وما أمثالُ هؤلاء بكثيرٍ، فإنهم صنفٌ نادرٌ، وإن استغربتَ فانصبِ الميزانَ، و زنِ الرجالَ بالأعمالِ لا بالكلامِ. * * * * * إنَّ الحريةَ المطلقَة من كل قيدٍ داخلٍ وخارجٍ، لا يُتصوَّر وجودُها في إنسان. فكمّ من عزيزٍ تخفقُ أعلامُ سلطتِه فوقَ الأقاليمِ الواسعةِ والمدن الزاهرةِ، تراهُ خاضعاً لأحكامِ شهوتِه وطمعِه، حتى تراهُ ملكاً من جهةٍ ومملوكاً من جهةٍ أُخرى، وكثيراً ما وردَ هذا المعنى للشعراء. الحريةُ بنتُ القوةِ والغنى والعلمِ، فمن استُجمِعت لهُ هذه الحالات الثلاثةُ، كان مطلقاً من كل قيدٍ، مالكاً ناصيةَ الحريةِ. فإن فعلَ حسناً فعن كرمِ فطرةٍ، وإن فعلَ قبيحاً فعن خبثِ طينةٍ. وليس في الناسِ أكرمُ طينةً ممن يلتزمُ الأفعالَ النافعةَ، ويداوي بحنوٍّ أمراضَ الأخلاقِ الساريةِ، وهو أخو قوةٍ أو ثروةٍ أو عِلمٍ. * * * * * العبوديةُ بنتُ الضعفِ والفقرِ والجهلِ، فمن اجتمعَت عليهِ - والعياذُ بالله - هذه الأحوال الثلاث، أحاطَت به العبوديةُ من كلِّ وجهٍ ولو أظلَّتهُ سماءُ باريز، وإلاَّ فبأيِّ وجهٍ يتيسَّرُ للضعيفِ أن يخالفَ القويَّ، أو للفقيرِ أن يُضادَّ الغنيَّ، أو للجاهلِ أن يبطِلَ رأيَ العالِم، وهو لا يعلمُ الخطأَ من الصوابِ. * * * * * الاستبدادُ الضارُّ هو ثمرةُ سُلطةٍ مطلقةٍ لذي طينةٍ خبيثة، فهذه النفسُ الخبيثةُ تستعينُ بمالِها من السلطةِ، حتى تتصرَّفَ في الناس تصرُّفاً مضرّاً بهم. وإنما قلتُ الاستبدادَ الضارَّ لأنَّ الاستبدادَ النافِع ثمرةُ سلطةٍ مطلقةٍ لذي نفسٍ صالحةٍ، لا يعزِمُ على العملِ إلا بعد الوقوفِ على الحقيقةِ، والعلمِ بأنَّ المصلحةَ العامةَ تقتضيهِ. ولمَّا كان الوقوفُ على بواطنِ الأمورِ لا يتهيّأُ للفردِ، اضطُرَّ الملوكُ أن يستعينوا بأهلِ الرأي والأمانةِ، حتى لا يُقدموا على أمرٍ خطيرٍ ذي بال، إلاَّ بعد استشارةِ الوزراءِ الصادقينَ الحازمينَ، ولذلك قال القدماءُ: " أربعةٌ لا يدومُ معها ملكٌ: غشُّ الوزيرِ، وسوءُ التدبيرِ، وخبثُ النيَّةِ، وظلمُ الرعيةِ ". * * * * * الإصلاحُ وما أحوجَنا إليهِ، هو مداواةُ أمراضِ الهيئةِ الاجتماعية. وما أمراضُها إلاَّ ما تتألمُ وتشقَى بهِ من الخيانةِ والغدر والجورِ، وما يتولَّد عنها، ولا يضطَلعُ بهذا الأمرِ العظيم الشريفِ، إلاَّ ذو العقلِ الثاقبِ، والرأي الصائبِ السليم الصدرِ من الحسدِ، الذي يشهدُ لهُ تاريخُ حياتِه بالمروءةِ والوفاءِ، ولكن يا ما أعزَّ وأندرَ من تنطبقُ عليهم هذه الصفاتُ. * * * * * لا يقومُ بالإصلاحِ إلا حاكمٌ قويٌّ شديدٌ حكيمٌ، يُجري القوانينَ العادلةَ، ولا يميِّز بين الغنيّ والصعلوكِ، ولا بينَ الرفيعِ والوضيع. وأهلُ إرشادٍ يَهدونَ الناسَ إلى الطريقةِ المُثلى بالقدوةِ الحسنةِ لا بالخطبِ المحبَّرة. فالقدوةُ الحسنَة أبلغُ من كلِّ خطبةٍ وموعظَة. ومدارسُ يسوسُ التلاميذَ فيها، من هم قادرون على التهذيبِ والتعليم وغروسِ أصول المدنية النقيَّة. هذا والله المسؤولُ القادرُ أن يَشفي هيئتَنا الاجتماعية من الأمراضِ، التي فشَت في جسمِها، ويقضي لها بالتقدُّمِ والسعادةِ، حتى تكونَ فيها لأهلِ الفضلِ والعلم والاستعدادِ الحسَن سوقاً رائجةً، وتنتشرُ في هذه الديارِ العزيزةِ الحريةُ المدبَّرةُ بالعقلِ، لتغلَّ يدَ الاستبدادِ، وتحطِّمَ قيودَ الاستعبادِ، حيثُ يُنصبُ فيها ميزانٌ للنزاهةِ والعلمِ والرأي، فتنصِبَ فوقها رايةَ الفلاحِ والمجد وما ذلك على الله بعسير. * * * * *
- أفضلُ رجالِ الدينِ من نمَت في جوارهم الفضائلُ، وانتشرت في معاشريهم نفحاتُ الصلاحِ. - لا مؤونةَ للقلمِ وللسان كالتاريخِ والجغرافيا. - ما نظرَ الحكيمُ في شيءٍ إلا واستخرجَ منه فائدةً. - الفضلاءُ في الناسِ كالجواهرِ في الحجارةِ. - قيمةُ العلماءِ في الأممِ الشائخةِ، قيمةُ المصابيحِ عند العُميان. - لا يُغلبُ الحقُّ وإن قلَّ أنصارُه. - من أفظعِ العارِ أن يخالفَ الديانةَ من يسودُ باسمِها. - الوعظُ في فمِ الشريرِ كالماءِ في المجرى النجِس. - مجاورةُ الصالحينَ كمجاورةِ النباتاتِ العطريَّة. - أملكُ الناسِ للقلوبِ مهذبٌ حميدُ السيرةِ. - أولَى الناسِ بالتزامِ السيرةِ الصالحةِ الحاكمُ، والكاهنُ، والطبيب، فكلٌ منهم مقتدَى. - استخدامُ الفقيرِ أنفعُ من التصدقِ عليه. - جِدَّةُ المبادئ كالشبابِ، وقدامتُها كالشيخوخةِ، فأصحابُ المبادئ الجديدةِ ذوو هممٍ قويةٍ، وأصحابُ المبادئ القديمةِ ضعافُ الهممِ. - الدينُ كاللوزةِ، اجتنابُ الحرامِ لبُّها، والتكاليف قشرتها، فالمحافظةُ على القشرِ بعد إتلاف اللبِ رياءٌ. - إذا تجارى الفاضلُ والمفضولُ في طلب منصبٍ، كانا كأرنبٍ وسلحفاة. - كمّ منادٍ بالوطنية وهو يعملُ على إسقاطِ فضلاءِ وطنِه. - لا عداوةَ للوطنِ والدولة كإغلاقِ أبوابِ المناصبِ في وجوه أكفائها. - لا تتقدمُ بلادٌ لا يُعرفُ فيها الفضلُ. - لا تنجحُ طائفةٌ تنقادُ للمفسدينَ. - ليسَ كالحريةِ للاطِّلاعِ على خفايا الطباع. - كيف يدَّعي الحريةَ من هو تحتَ سلطانِ الشهوةِ والطمعِ. - الإصلاحُ يطلبُ قلوباً سليمةً، ونفوساً عاليةً، وعقولاً ذكيةً. - حريٌ بمن يدَّعي الإصلاحَ وهو مفسدٌ، أن يضعَ برقعَ الخجلِ على وجهِه. - الحريةُ من أكبرِ النعمِ وأثقلِ الأحمال. - لا حظَّ من الحريةِ للنفسِ الجائعةِ. - من أغفلَ رعيتَه، أضحى لا رعيةَ لهُ. - أضعفُ الناسِ عقلاً، من يثقُ بمن اشتُهِرَ بالمكرِ والنفاق وقلَّةِ الحياء. - حزبُ الصدقِ في كلِّ زمانٍ قليلُ، وهو في عصرِنا أقلُّ من قليلٍ. - من بلايا العصرِ حسنُ الأقوالِ مع قبحِ الأفعالِ. - لا عهدَ ولا وفاءَ لمن ماتَ ضميرُه، وذهبَ حياؤهُ. - من اكتفى من الدينِ بالمحافظةِ على التكاليفِ هتكتِ الخيانةُ سترَه، وكشفتِ الأعمالُ أمرَهُ. - داءُ الدينِ انحرافُ أهلِه عن المقصودِ منه. - لا مرضَ للسلطةِ كحبِّ ذويها للدنيا. - لا زرَّاع للخداعِ إلاَّ الطمعُ والحسدُ. - كلامُ المتزلِّفين حلوُ الفاتحةِ مرُّ الخاتمةِ. - الأوهامُ والخرافاتُ أروجُ سوقاً من الحقائق. - من لم يخضَع لإلهِ الأرضِ (المال) خضعت لهُ الأرضُ وآلهتُها. |
![]() |
|||