تحليل

 

انتُخب جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة الأميركية من باب الصدفة، كما يعتقدُ البعض في الإدارة الأميركية وفي الوسط السياسي الأميركي ، نظراً لمستواه العلمي والثقافي المتدنِّي الواضح جداً في خطبِه وأقوالِه المتعثِّرة ونظراً لماضيه السياسي والعملي الفاشل، كما الشخصي الملتوي أو غير المتحلِّي بالاستقامة.   

فلم يحدُث مرةً من قبل أن انتُخب رئيسٌ أميركيٌ بتلك المحدودية، وبهذا القدر من الكذبِ والغرور، وهذا منذ نشوء الجمهورية الأميركية قبل أكثر من مئتي عام.

ولم يجلسْ بالتالي في البيت الأبيض أيُّ رئيسٍ ضعيف الثقافة ومتطرِّف في آرائه حيال الأممِ والأديان ومختلفِ القضايا العالمية، ما دفعَه لإطلاقِ كلامٍ استفزازيٍّ ومرفوض باتِّجاه العرب والمسلمين قبل العودةِ للاعتذار عنه، ودفعَه بالتالي لفرض نظرياتِه البهلوانية أو السابحة في الفضاء بالقوة على الآخرين ، مثال: الحروب الاستباقية والوقائية، الموجَّهة ضدَّ دولٍ وشعوبٍ ومنظمات، قد تعادي في أحد الأيام سياسة أميركا.

وإذا سبقَ وعادتْها أو اختلفت معها، فقد توجِّه في المستقبلِ صواريخَها باتِّجاه أراضيها لتدمِّرها؟!

وقد اندرجَت في هذا الإطار قائمةُ الدول المتراوحة والمتزايدة والمتقلِّبة أو المتبدِّلة حسب مواقفِها، التي تشكِّلُ محاورَ للشرِّ.

بما معناه أنها تتعاملُ مع الشرير أو الشيطان، ويطغى عليها السوادُ الكلِّي وتجنحُ بالعالم نحوَ الهاويةِ ونحوَ جهنم، وتقفُ بالمطلق إلى جانبِ الباطل ضدَّ الحقّ؟!

مما يبيحُ ضربَها أو تربيتَها وإرشادَها بالأساليب البوشية والتوراتيَّة إلى الطريق القويم.

كما خرجَت من بين هذه الأمثلة: نظريةُ الشرق الأوسط الجديد، الذي يُفترض إعادة إنتاجه أو تقسيمه وتوزيعه من جديد بعد معاهدة سايكس - بيكو التي قسَّمت أجزاءَه بين إنكلترا وفرنسا.

مما أوصلَ إلى معاداة وربما إلى مواجهة كلٍ من إيران وسوريا وحزب الله، وأدَّى بالمقابل إلى تعطيلِ الحياة السياسية في لبنان وتجميدِ كافَّة المؤسسات العامَّة ومعظم الخاصَّة، وإلى دعمِ حكومةٍ مبتورة وبطورِ الانقراض وعاجزة حتى عن تسيير الحدِّ الأدنى المطلوب من الأعمال، والتي اعتُبرت بعبقرية بوش وإدارتِه: جزأً قد لا يتجزَّأ من الأمن القومي الأميركي؟!

كما خرجت تلك الإدارةُ العبقرية أيضاً: بنظريةِ الفوضى الخلاَّقة.

التي تنمو وتنجحُ في مناخٍ مشبعٍ بالفوضى والخلافات والتناقضات والصراعات والتداخلات الطائفية والعائلية والعرقية والطبقية والسياسية وحتى الشخصية، الناجمةِ عن واقعِ التاريخ والجغرافيا وعن حالات التخلُّفِ والاستعمار والتدخُّل الخارجي.

فتخلقَ أوضاعاً قديمة - جديدة، وعجيبة - غريبة، ومركَّبة - مفبركة، وصاعدة - نازلة، لا يعرفُ أحدٌ إلى أين تؤدِّي بالبلادِ والعبادِ والمجتمعِ، بحيث يُعادُ تكوينُه ورسمُه وتحديدُ هويتِه وتقريرُ مصيره!! وسواها من نظريات " البوشت " مع لفيفِ أعوانِه، التي حاولَ تطبيقها بالقوة بعد فرضِها بالقوة أيضاً، وعنوةً عن العقلِ والمنطق والجميع.

فقد أدَّى كلُّ سوء التدبير والتعجرُف إلى ما شاهدتموه في السنوات الأخيرة وتشاهدونه اليوم من انهياراتٍ مالية وبنيويَّة وأزماتٍ متفرِّقة وعنفٍ مدني وعسكري وفشلٍ على جميع المستويات واحتمالِ نشوبِ مزيدٍ من الحروب والنزاعات هنا وهناك.

بالرغمِ من أنَّ سياسات الولايات المتحدة التقليدية، لا تختلفُ في الأصلِ عن توجُّهات بوش السياسية.

 فمع هكذا طراز أو نموذج فاضح من الرؤساء، يصبحُ كلُّ سيئٍ ممكناً.

ويصبحُ كلُّ شيءٍ جيدٍ بالنسبة لمستقبل البشرية - لا بالنسبةِ لحاضرِها تماماً - ممكناً أيضاً!!

كيف هذا؟!

ليس من الصعبِ اكتشافُه واستخلاصُ نواحيه الإيجابية، إذا تمعنَّا جيداً، بل من السهلِ ذلك.

ففي البندِ الأول. يبدأُ العدُّ العكسي لانهيار الإمبراطورية الأميركية.

لا أقصدُ الولايات المتحدة كأمةٍ ودولةٍ وشعب، بقدرِ ما أقصدُ هيمنتَها على العالم، وتدخلاتها بشؤونه، ما حوَّلها إلى إمبراطورية مسمَّاة بالجبَّار الأُحادي.

فلولا القيصر كاليغولا وأمثالُه من القياصرة، لظلَّت روما ربما حاكمةً العالم حتى يومنا هذا، ولولا جورج بوش ومغامراته في العراق وغير العراق، لظلَّ البيتُ الأبيض والبنتاغون يرسلان الجيش الأميركي ما وراء البحار والمحيطات ويشكَّلان قوات دولية لضرب هذه الدولة أو تلك إلى ما لا نهاية.

صحيحٌ أنه في المجالات الإقتصادية والسياسية والإعلامية والأمنية وغيرها، سوف يأخذُ الانقلابُ إلى عدمِ الهيمنة والتدخُّل ربما وقتاً حتى يبدأ مفعولُه، لكن يكفي الآن حدوث هذا الانقلاب في المجال العسكري المتمحور حول عدم إرسال جيوش وتشكيل قوات متحالفة وضربِ أو احتلال الدول، حتى يدلَّ هذا على بداية نهاية الإمبراطورية الوحيدة والأخيرة التي ما زالت قائمةً في عالمنا.

وليس تقهقر القوات الحليفة وانسحابُها مداورةً من الساحة العراقية، دون تحقيق الأهداف المُعلنة، غيرَ استكمالٍ للهزيمةِ في فييتنام وللعجزِ حيال تدمير كامل بنية يوغوسلافيا التحتية، ولانعدام السيطرة التامَّة على أفغانستان، وللقلق تجاه عودة روسيا إلى موقعٍ قريبٍ من القوة الجبَّارة، ولنموِّ الصين ومنافستِها الجدِّية، ولإفلاتِ دولِ أميركا الجنوبية من الهيمنة والسيطرة المفروضَة عليها خلال عقودٍ زمنية طويلة.

وليس أفول نجم الاقتصاد الأميركي في هذه المرحلة، إلاَّ برهاناً على أنَّ أكبر قدرةٍ إقتصادية في تاريخ الإقتصاد البشري، يمكن أن تتزعزع نتيجةَ السياسات الخاطئة والمتمادية بأخطائها.  

في الثاني. يلقِّنُ ما يجري مختلف الشعوب الانتباه حيال انتخابات الرئاسة وإنتاج السلطة.

ففي أعرقِ الدول كفرنسا أو غيرها، يمكن التعامل باستخفاف مع عملية انتاج السلطة، بحيث يُنتخب رئيسٌ بناءً على انتمائه وعلاقاته وأقواله، فيما الحقيقة الكامنة بداخلِ شخصه، تُشيرُ إلى رئيسٍ من نوعٍ آخر. وها هو نيكولا ساركوزي يرتمي في أحضان آل بوش وأميركا منذ اللحظات الأولى التي تلَت انتخابه. مما يغلِّبُ احتمالاً وارداً جداً، وهو أن يدفعَ الناخبُ أو الشعبُ الفرنسي ثمنَ خطأه في اختيارِ رئيسٍ متمتعٍ بصلاحيات دستورية واسعة، دون أن يتنبَّه لماهية هذا الرئيس وإلى المكان أو الموقع الذي سيضعُ فرنسا فيه، ومقدار الثمن الذي سيُدفع لقاءَ ذلك.

وهذا ما جرى بالضبط في الولايات المتحدة، عندما استخفَّ الناخبون بعد السياسيين الجمهوريين، العارفين بشخصية بوش وانتخبوه، وهو متمتعٌ بكلِّ تلك الصلاحيات.

لماذا؟!

فلأنه قادرٌ على شنِّ الحروب وافتعالِ الأزمات وتعريضِ الناس للمخاطر وأوضاعِهم المعيشية للتراجُع.

وقد جاء انتخابُ ساركوزي داعماً لهذا التوجُّه، بعد أن تراجعت شعبيةُ بوش بسبب فشله في حرب العراق، الذي لم يقدِّم له بعد إسقاطِ نظامه بديلاً غير بديل رعاة البقر، ممن تمرَّسوا على السطو على منابعِ النفطِ والآثار وعلى انتهاكِ حقوقِ الإنسان وعلى زرعِ الفتنةِ والدمار.

وكانت قد بدأت القوى السياسية في أميركا محاسبتَه وإيقافَه عند حدِّه، فيما أعطاه ساركوزي بانتخابه دعماً إضافياً، عادَ وفعَّل دعمَ الرؤساء الآخرين له، من أمثال أنجيلا ميركل التي جاءت مستشارةً لألمانيا خلَفاً لشرودر - الملتزم بالتوجُّه الألماني المستقلّ والحيادي - لتدعمَ سياسةَ أميركا الحالية، وبراون الذي تلا بلير في رئاسة الحكومة البريطانية، أيضاً بتأييدٍ من الولايات المتحدة، بعد اضطرارِ بلير دستورياً وشعبياً للتخلِّي عن السلطة.

الثالث. يقحمُ أو يورِّطُ كل هذا حلفاء الإمبراطورية في متاهاتٍ، لن تخرجَ منها دولُهم سالمةً أو بسهولة، دون الابتعاد عن الحليف مسافةً معيَّنة ولو بعد حين.

فعندما ننظرُ إلى حالِ إسرائيل بعد حرب تموز 2006 على لبنان - وهذا على سبيل المثال لا أكثر، لارتباطِ وجودِها ككيان، عضوياً بدعم الولايات المتحدة - نرى الضياع الذي عانت منه حكومتُها، بسبب رغبةِ البيت الأبيض بإطالةِ الحربِ تلك وتحقيقِ أهدافٍ استراتيجية.

ونرى أنَّ فشلاً مُحتملاً كهذا واردٌ من جديد، طالما أنَّ التحالف قائم بين الحكومتين وبين أولمرت وبوش.

وإذا نظرنا من جهةٍ ثانية إلى دول الخليج العربي وموقفِها من إيران في حال اعتُدي عليها، نرى مسبقاً أنه يستحيل على أميركا توجيه أية ضربات دون أن تتلقَّى تلك الدول ردوداً عليها، سيَّما أنَّ القواعد العسكرية الأميركية متواجدة فوق أراضيها.

وعندما نلتفتُ إلى حلفاء بوش على الساحة اللبنانية وإلى مدى العقُم الذي بلغوه في إدارة شؤون الدولة وتعطيلِها طيلة الفترة التي حكموا فيها، نلاحظُ شيئاً جديداً وغريباً عن عالم الإدارة والسياسة، إذ نرى بلداً معطلاً بأكملِه نتيجةَ الانصياع للإمبراطور العديم الرؤيا والمتقوقع في أفكارِه ومفاهيمِه.

وهكذا نلاحظُ على حلفاء أميركا في العراق وفلسطين، حيث لا مخرج لأزماتِهم وواقعهم المتأزِّم بظلِّ إدارةٍ مُعقَّدة إلى هذا الحدّ وفاسدة في آنٍ واحد. وكلٌ يعرفُ كيف يغادرُها المسؤولون واحداً تلوَ الآخر بسبب الفشَل بالطبع وبسبب الفضائح، إمَّا المتعلِّقة بالسيرةِ الذاتية لهؤلاء المسؤولين، المرتكبين لجرائمَ ضدَّ الإنسانية والمرتكبين لجنايات مالية وغير مالية، ولتجاوزات داخل بلادِهم وخارجها، أو المتعلِّقة بأداء بوش بحدِّ ذاتِه حيال مختلف المسائل.

ولن يبقى على ما يبدو حتى نهاية عهدها، غيرُ شخصِ الرئيس مع طاقمٍ متبدِّل باستمرار.

الرابع. يُسرِّع هذا المسلسل الأميركي الطويل - والمصوَّرة حلقاتُه بداخل وخارج أميركا، أو في عواصمِ القرار الغربي على وجه التحديد - دورةَ الحياةِ نحو السلامِ والاستقرار والتنمية.

ليس لأنه مسلسلٌ مفيدٌ ونافعٌ كوميدياً أو درامياً أو تربوياً، بقدرِ ما هو مسلسلٌ لا يخلو من العنفِ والسذاجة والتهوُّر، مما يقدِّمُ للشعوبِ والمجتمعات، عبرةً بعدم التهوُّر والانقيادِ وراء العنفِ والتفكير السطحي الخالي من العمقِ الضروري لاكتشافِ قعرِ الحقيقة وقيمِها المتمثِّلة بالحقِّ والعدالة والصدقِ والنزاهة وما شاكلَ ذلك.

فلو نظرَ الضعفاءُ أو الصغارُ أو الأقلّ قوّة إلى فعلِ وإلى أداء الأقوياء والجبابرة، سوف يتعلَّمون ألاَّ يستقووا على أحد إذا ما أصبحوا يوماً بكاملِ قواهم، حتى لا يحصلَ لهم بدورِهم ما حصلَ لهؤلاء قبلهم.

الخامس. لقد جاء مؤتمر أنابوليس برأي الكثيرين - من المحللين - لتعويمِ بوش وأولمرت بعد فشلهما في حربهما على لبنان والعراق.

لكنَّ المسألة تتعدَّى برأيي هكذا تعويم سياسي كونه اعتباراً معنوياً وآنياً مرتبطاً بالماضي، وتتعلَّق أكثر بالخطط المرحلية والمستقبلية، إذ ما زال الاثنان مع حلفائهما كساركوزي وميركل وبراون وهوارد، يطرحون طروحاتٍ أكثرَ طموحاً من التعويم السياسي وغير السياسي.

أي ما زالوا يتحدَّثون عن ميلادِ شرقٍ أوسطٍ جديد أو عالمٍ حرّ وديمقراطي وعن دولٍ وأنظمةٍ ومنظمات تعيقُ هذه العملية القيصريَّة، وتؤثِّرُ سلباً على سائر الدول والمجتمعات، لأنها لا تحذو حذوَها بالتحالف معهم والموالاة لتطلُّعاتِهم ومصالحهم ومواقفهم.  

مما يعني شيئاً إضافياً وهو: أنَّ هذا المؤتمر الذي لم يقدِّم للفلسطينيين تنازلاتٍ واضحة وملموسة، ولم يعرض عليهم سلاماً وفق شروطٍ محدَّدة، لم يكن هدفه غير المُعلن، سوى تهدئة الأوضاع بداخل إسرائيل وعلى مشارفها، حتى تنصرفَ هي وجيشُها إلى توجُّهٍ إقليمي من نوعٍ آخر. أي إلى شنِّ حملةٍ عسكرية واسعة بالتعاونِ مع أميركا وحلفائها، على المحور السوري - الإيراني - اللبناني.

إذ لم يسبق للجيش الإسرائيلي أن خاضَ حربين، داخلية وخارجية. مما اقتضى تهدئة الجبهة الداخلية مع الفلسطينيين لينصرفَ إلى الخارجية.

السادس. لن يخدعَ أحدٌ نفسَه في اعتبار أيِّ محورٍ مقاوم بين الشرقِ وجنوبِ أميركا وأيِّ مكانٍ آخر من العالم، أقوى من تحالف أميركا وإسرائيل مع بعض الدول الغربية والعربية على حدٍ سواء. ولن تكونَ نتيجةُ أيِّ نزاعٍ مُسلَّح، هزيمةَ أميركا وإسرائيل عسكرياً بالطبع.

إنما سوف تكونُ الهزائمُ بالنسبة لتحالفهِما سياسية بامتياز، وسوف تتعلَّمُ أميركا - على الأرجح ووفق توقُّعاتي - درساً لن تنساهُ في مجالِ الكفِّ عن إرسالِ جيوشها إلى منطقة الشرق الأدنى وإلى مناطق أُخرى من العالم، وسوف تقتنعُ إسرائيل - غير المقتنعة بعد - أنَّ هناك قوةٌ إقليمية في وجهها، لا بدَّ من التصالُحِ والتسوية معها، بعد أن اعتقدت أنها القوة الوحيدة القادرة على التصرُّف بمجريات الأمور وعلى تقرير مصيرِ الدول القابعة في محيطِها.

وسيكون هذا - كما جاء آنفاً - في صالحِ البشر وليس في صددِ الإساءة إليهم وإلى مستقبلِهم، من خلالِ حروبٍ مجانية دون أيِّ مقابل.

سابعاً. قد يساعدُ بعضُ ما جاء، لبنانَ على بلوغِ قناعةٍ راسخة بعدم صلاحية نظامِه. ليس لأنه طائفيٌ وقائمٌ على التوافق بين الطوائف تماماً. بل لأنه يتأثَّرُ بالعواملِ الخارجية أكثر مما يتقيَّدُ بالمصالحِ الوطنية، فيتسبَّب له جراء ذلك وكلَّ بضعِ سنواتٍ بحربٍ أو أزمةٍ جديدة.

ففي ثورة 1958 لم تكن المعطيات متشابهة مع أسباب اندلاع أحداث 1975 وهكذا اختلفت عنهما الأزمة الأخيرة التي بدأت عام 2004 مع مقتل الرئيس رفيق الحريري.

مما يؤكِّدُ صحَّة القول - ولا يحتاجُ لأيِّ تأكيدٍ أو إثبات - بانحياز هذا الفريق إلى هذه الجهَّة الدولية أو تلك.

فهكذا نظام مُركَّب وقائم على مصالحَ فرديَّة وعائلية وطائفية قبل الوطنيةِ منها، لا يصلحُ للحياةِ وللاستمرار في تلبيةِ حاجاتِ شعبٍ، يفكِّرُ ويتطوُّر ويشقُّ عبابَ البحار، مغامراً في سبيلِ لقمةِ عيشِه ومستقبلِه وصيانةِ حضارتِه وخصائصِه.

ولا بدَّ من إرساءِ دولةٍ مركزيةٍ قادرةٍ على ضبطِ أوضاع البلاد، قبل الخوضِ في أيَّةِ صيغةٍ فدراليَّة أو كونفدراليَّة أو غير، عندها حتى لا تسيرَ الأوضاعُ دون أيةِ ضوابط، وفي المحصِّلة أي لو بعد زمنٍ طويل إلى التقسيم الآتي مع المشروع الأميركي - الإسرائيلي المُعلن بأشكال عدَّة والآخذ طريقَه عملياً - لولا مقاومتِه - منذ عقودٍ من الزمن.

ثامناً. لقد خدمَ جورج بوش الشعوبَ العربية والإسلامية خدمةً غير مقصودة، لن ينسوها له طيلةَ حياتِهم ودوامَ بقائهم، وهي أنه - وخلافاً للرؤساء الذين سبقوه وأقاموا مع تلك الشعوب علاقاتٍ، تهدفُ لخدمة الولايات المتَّحدة بالدرجة الأولى ، ولخدمةِ مصالحَ مشتركة بالدرجة الثانية - قد ضغطَ بشدَّة على دولهم وأنظمتِهم حتى " تتدمقرَط " وتتطوَّر عنوةً عن رغباتِها البطيئة والمملَّة في الإسراع بإطلاقِ هذا المسلسل.

مما أدَّى من حيث لا يدري إلى إحداث قوانين وإجراءات وترتيبات بداخل هذه الدول، صبَّت في خدمةِ المجتمعات المتخلِّفة، سامحاً لها ببعض الرخاء والحرية والتقدُّم.

وقد ظلَّ هذا الوضعُ قائماً طيلةَ ولايتِه الأولى ومع بدايات ولايتِه الثانية، بحيث بدأت تلك الأنظمةُ والدول عند ظهور فشلِ بوش في مجالاتٍ عدَّة، بالتراجُع نسبياً عن أجزاء معينة من الإصلاحات التي قامت بها. وهذا ما سُجِّل في حقولِ التشريعِ وممارسة السلطة وعمل أجهزة الاستخبار والتربيةِ وحرية الصحافة ونشاط الأحزاب والمنظمات المدنيَّة واقتناء وسائل وأدوات الاتصال والتنقُّل وسواها.

فيما لم يعلن بوش يوماً عن انجازاتِه في هذا المضمار ولم يدركْ ماهيةَ العوامل أو النتائج التي أحدثَها، وقد تخلَّى في ولايته الثانية عن معظم الشعارات التي أطلقَها بقوة في ولايته الأولى، مما يؤكِّد صحَّة تحليلِنا، في أنَّه دفعَ شعوباً - من حيث لم يقصدْ - إلى الضغطِ على سلطاتِها من أجل إحراجِها وفرضِ مفاهيمِه ومصالحِه وتسوياتِه السياسية عليها.

والكلُّ تابعَ في ذاكرتِه هذه العمليَّة الموزَّعة بين أقوالِه السطحيَّة وطلباتِه ولو النظرية ونزعتِه التأديبيَّة، المُذاعة والمنقولة في وسائل الإعلام، وبين حرجِ هذه الأنظمة العربية والإسلامية، بسبب نقاطِ الضعفِ فيها. وتجاوبَها إلى حدٍ مقبول وفق واقعِها وخصوصياتِها، مع الطرحِ الأميركي. خصوصاً بعد تأكيدِ الناخب الأميركي على خيارِه وتكرارِ انتخابِ رئيسِه، لاستكمالِ برنامجِه الرئاسي ، غير المُستكمَل بعد وغير واضح المعالم والأهداف والأبعاد.

أخيراً. إنَّ ما يجري في فلسطين من حصارٍ وإذلالٍ وتجويعٍ لشعبٍ متحضِّرٍ منذ آلاف السنين، أعطى البشريةَ الكثيرَ ما قبلَ حلولِ الديانةِ المسيحيَّة وما بعدِها، حتى عصرِ الكُفيَّةِ الفدائية واستخدامِ سلاحِ الحجارةِ الأبيض في الدفاعِ عن الوطن والمقدَّسات، وعن مختلف القضايا خلال التظاهرات المدنيَّة التي عمَّت مدناً وعواصمَ حولَ العالم.

وما يجري في العراقِ من تدميرٍ لأعرقِ الحضاراتِ الإنسانية وأقدمِها، وتهجيرٍ لأوائلِ الطوائفِ المسيحية في المسكونة، ومحاولةِ زرعٍ لكيانٍ كرديٍ مستقلٍ على غرارِ الكيان المتهوِّد الذي فشلَ زرعُه في لبنان، مع فشلِ المخطط الأميركي - الإسرائيلي بعد إجهاضِ أهدافِ اجتياح 1982.  

وما يجري في الواحة اللبنانية - العربية من تعطيلٍ شامل واحتمالِ انهيارٍ تام، بظلِّ مسرحيةٍ هزليةٍ مكشوفة، جاءت بطبقةٍ أو جوقةٍ سياسية صاخبة وغريبة عن تاريخِ البلد وتقاليدِه المتعارَف عليها، يقودُها ثالوثٌ متراوحٌ بين الغبيِّ في السياسة وغير المتمرِّس والمُدار الرأسِ والحاقِد بلا أسبابٍ موجبة، والحشَّاشِ واللصِّ والمجرمِ المتأصِّل.

فيراهنُ على سقوطِ أنظمةٍ مجاورة لا يمكن أن تسقُط في المدى المنظور، وتُتَّهم أعدادٌ كبيرة من بين الجهات السياسية والرسمية والشخصية بجريمةِ اغتيالٍ سياسية واحدة، وتُستهدف مقاومةٌ قلبَت كلَّ المعادلات المعروفة والمألوفة ولقَّنت جيوشَ العالمِ دروساً في النبلِ والصمودِ وفي أصولِ وفنونِ القتال.

وما يجري في البلقانِ من تقسيمٍ لكياناتِه ومصادرةٍ لأقاليم في صالحِ عصاباتٍ وقطَّاعي طرُق. وفي روسيا من مؤامراتٍ لإضعافِها ومنعِها من العودة إلى موقع القوة، وفي آسيا وإفريقيا من مآسيَ وانحدارٍ خُلقي وفقرٍ ومجاعةٍ وأمراض وشبكاتِ دعارةٍ منظَّمة، وفي كلِّ الأماكنِ من تلوُّثٍ خطيرٍ للبيئة وفتكٍ بمقدَّرات الأرضِ والإنسان ومصيرهما.

لهو أمرٌ غير مقبول، لا يجوزُ السكوت عنه، دون محاولةِ تقويمِه وإصلاحِه وإبداء الاعتراضِ والممانعةِ عليه.

وإلاَّ فستكونُ الأجيالُ الحاليَّةُ، عقيمةَ الأفكارِ وعاجزةَ الفعلِ ومسؤولةً عن مستقبلٍ يغلبُ عليه السواد، سوف يورَّثُ للأجيالِ القادمة.