Liberty is never attained and preserved unless justice is done                Justice in society is not settled if deprived of righteous legislation                Individual and collective liberties and rights are not protected under covered lawsلا تُحقَّق الحريةُ ولا تُصان إلاَّ بتكريس العدالة                                              لا تُكرَّس العدالة في المجتمع دون تشريعٍ صالح                                                 لا يُحافظ على الحريات وعلى الحقوق الفردية والجماعية بظلِّ تغييب القوانين
 
 
 
 
 

لبنانُ فريدٌ حقاً

 

   لبنانُ فريدٌ حقاً في نوعِه منذ أن كانَ وكانت شتَّى البلادُ منثورةً على أرجاء المعمورةِ.

لبنانُ فريدٌ حقاً من نوعِه منذ أن كانَ إنسانُه فوق ترابِه وكانت الناسُ مرميةً فوق أتربةِ ورمالِ وواحاتِ وثلوجِ المعمورة.

لبنانُ لم يشبه أحداً منذ تكوينِه.. لا إحدى الدولِ.. أو البقاع.. أو الربوعِ.. أو الأصقاع.. ولا حتى واحداً من سائر المخلوقات والمكوَّناتِ الجغرافية والطبيعية.

لبنانُ فريدٌ فرادةَ المعجزات والغرائب.. عجيبٌ عجبَ الأعاجيبِ والعجائب.. حالمٌ حلمَ الأحلامِ والأوهامِ والأساطير.. مستحيلٌ استحالةَ الحالاتِ والأحوالِ والأحاييل.

هو نبعُ الإلهام.. ومصدرُ الإيمان.. ووحيُ الإنسان.. ومرقدُ الأوطان.. ومحنةُ الأزمان.

لبنانُ عصيٌ على الأقدار.. لا تغرقهُ وحولٌ وأمطار.. ولا تحرقهُ حرائق.. أو تضعفهُ النوائب.

لبنانُ ليسَ فقط ما يُقال عنه: رسالة.. وطن ألفة ومحبة وحرية وتعايُش.. معتدلَ المناخ حيث تتزلجون وتسبحون وتتزحلقون كيفما تشاؤون.

لبنان أكثر من كلِّ ذلك.. أبعد من كلِّ ذلك.. من الخدمات.. من الميزات.. من ألوان الطعام ونكهةِ المطاعم.. وسهولةِ المصارف.. وعراقةِ التربيةِ والسياحة.. وحلاوةِ السهر.. ودفء الجلسات في الصيف والشتاء.. وعند هطولِ الثلجِ أو المطر.. أو تحت فيء غصونِ الشجر.

فقبلَ استقلالِه وبعده.. لبنانُ لا توءمَ له.. لا شبيهَ له.

فأين تجدونَ يا إخوتي وفي أي مكانٍ أو زمانٍ ما تجدونَه فيه؟؟

وفي أي مجتمعٍ وبيئةٍ إنسانية أو سياسية.. يحصلُ ما يحصلُ فيه؟؟

هل هناك في العالمِ مثلاً: رئيسُ جمهوريةٍ واحدٍ معزولٍ وفي قصرِه!! قصر الرئاسة؟!

مقاطَعٌ من المقيمين ومن الزائرين والوافدين والقادمين إلى المرافئ والمطارات!!

رئيسٌ لا دستوري.. لا شرعي.. لا وطني.. لأنه حسب البعضِ.. رئيسُ وصايةٍ.. فُرضَ على الجميع غصباً عن الجميع.. دون انتخاب.. ولم يقدِّم للوطنِ شيئاً جديراً!!

فالرئيسُ في لبنان ليسَ رمزاً.. كبقية رؤساء جمهوريات العالم.. بل هو طرفٌ خطير على الأطراف التي صنَّفتهُ كذلك.. يأتي إلى الرئاسة بالتوافق.. ويرحلُ مكروهاً دون أي توافق. 

وهل هناك رئيسٌ واحدٌ.. مُجرَّدٌ بسبب التركيبة الطائفية.. من الصلاحيات الدستورية الضرورية.. لإحداثِ تغييراتٍ وإصلاحاتٍ أساسية في بنيةِ الدولة؟!

أين تجدون أيضاً وقبلَ هذا الرئيس.. رؤساءَ تمتَّعوا بكامل الصلاحيات الدستورية؟ ورفضوا الاستقالةَ من أجلِ عامِ حكمٍ إضافي.. وساهموا بذلك في التسبُّب بحروبٍ وثوراتٍ داخلية؟!

حتى باتَ رئيسُ الوزراء أيضاً لا يتنحَّى ولا يقبلُ الاستقالةَ ويستعدُّ لإشعالِ فتنةٍ أهلية!!

في أيّ مكانٍ تناوبَ رئيسُ الحكومةِ مع رئيس مجلسِ النواب من طائفتين.. على النيلِ من امتيازاتِ طائفةٍ ثالثة وموقعها أو مواقعها في السلطة.. بسبب تجاوزاتِها أو أخطائها التاريخية؟!

قبل أن ينفصما ويرتحلا عن بعضهما.. آنياً.. بسبب المصالح الفئوية الأضيق.. والوطنية طبعاً.. كما يُقال!!

أين تحصدُ حكومةٌ مهما كانت ومن أنَّ جاءت.. دعمَ عشراتِ الحكومات والهيئات البرلمانية والسياسية.. من مختلف الأنحاء؟

وما شأنُ العالم في قضيةٍ داخلية؟!

وأين تتحولُ أزمةٌ حكومية إلى شللٍ تام يصيبُ المؤسسات الاقتصادية والسياسية.. على حدٍّ سواء؟!

أين تجدونَ شعباً.. لا أفراداً - ولو من الألفيات الغابرة أو الحضارات المنقرضة - يحيا في مأتمٍ مهيبٍ وفي دارِ عزاء.. شهوراً.. بل سنوات؟!

أين تسمعون وفي أية أوساطٍ دبلوماسية ورسمية أو حتى حزبية وصحافية.. مشاداتٍ وتصريحاتٍ كلامية ولفظية.. تتخطَّى بنباءتها وفجورها ومراوغتها ولجِّها وكذبها وتلفيقِها.. كلَّ حدودِ الصدقِ.. والآداب.. وكلَّ الأعراف.. وكلَّ المعايير التي قامت عليها الأخلاقُ والأذواقُ والمفاهيمُ والتجمُّعاتُ البشرية؟!  

فبخضمِّ أيِّ نظامٍ سواءَ كان أمنياً أو حاوياً على الأمن أو بعض الأمان.. مدنياً أو حاوياً على بعضِ المدنيَّة.. فوضوياً وعشوائياً وهمجياً أو فاشلاً أو ناجحاً.. حاوياً على بعضِ الفوضوية والعشوائية والهمجية والفشل أو النجاح.. تقعُ عشراتُ الاغتيالات والجرائم والانفجارات.. ولا يُكشفُ عن واحدةٍ أو اثنتين منها حتى بعد انقضاء سنتين؟!

يواكبُها التحذيراتُ والتهديداتُ والإشارات والإنذارات المُبهمة!!

وفي أيةِ أمةٍ أو دولةٍ.. يُباحُ تفسيرُ الدستور.. تفسيراتٍ متنوِّعة ومتفننة ومتناقضة وملتوية.. وتُسنُّ على ضوئه القوانينُ الاعتباطية.. وتُغيَّبُ القوانينُ الفاعلة والناجعة.. وتُلغى فعاليةُ المؤسسات.. لصالحِ الأشخاص؟!

بكنفِ أيِّ نظامٍ حول الأرض.. يُسمحُ لسياسيين في مواقعَ غير مخوَّلة.. التفرُّد بقراراتٍ تمسُّ بنيةَ الدولةِ.. وسياستَها الخارجية.. وأمنَ أراضيها.. وخياراتِ الشعب في انتمائه.. ووحدتَه.. ومصالحَه العُليا؟!

في أية متَّحداتٍ بشرية.. تُصنَّفُ فئاتُ الشعبِ حسب انتمائها الفئوي والحزبي.. وتُحاربُ أو تكرَّمُ مع أفرادِها على هذا الأساس.. دون اعتمادِ معيارِ الكفاءات وعدمِها أو الأعمال والانجازات؟!

يُسكتُ عن مسلكياتٍ مُدمِّرة وسيئة.. ويُحكى عن أُخرى على أنها هكذا.. فيما تكون بنَّاءة وحسنة.. ليس إلاَّ لأنَّ المعنيَّ بها من هذه الطائفة أو تلك.

حتى أنَّ الخاسرين والرابحين.. يغضّون الطرفَ أحياناً عن ربحهم أو خسارتهم لهذه الأسباب!!

في أي اقتصادٍ حرٍ أو مقيَّد.. يؤكلُ وبكلِّ بساطة القسطُ الأكبرُ من قدرةِ الاقتصاد.. وتُنهب الأموال العامة.. والمبيَّضة.. والخاصة.. ويُعتدى على الأملاك.. دون رادِع؟!

فتستدينُ الدولةُ ثمَّ تَدفعُ فوائدَ الدينِ مبالغَ هائلة.. تفوقُ بعد بضعِ سنوات أرقامَ الدين الأصلية.. إلى مصارفَ محلية!! مملوكة من رجال الأعمال ومن شركائهم السياسيين؟!

فيُهدرُ!! أي يُسرقُ نصفُ الرقم المُستدان.. من خلال مشاريعِ البنى التحتية والمشاريع التنموية بشكلٍ عام!!

ألا تستدينُ الدولُ عادةً من البنك الدولي ومن بعضِها؟

وبالأخصّ الفقيرةُ والناميةُ من الصناعيَّة والغنيَّة؟

وكثيراً ما تُعفى الدولُ المستدينة من معظم الدين؟

لماذا لا يحقُّ للبنان بأيّ عفو؟!

ولما حُكم على اقتصادِه بالإعدام؟!

أو ربما بالعفو الجزئي من خلال شروطٍ صعبة.. وصعبة جداً.. على غرارِ التوطين للفلسطينيين؟!

ومن قرَّر حقيقةً ذلك؟؟

السياسيون ورجالُ الأعمال المموِّلون والمتمولون والمتورِّطون في هذه القضية.. وحدهم؟؟

أم أصدقاؤهم أيضاً الذين يتحالفون من الخارجِ معهم.. ويقفون دائماً أو غالباً خلفَهم.. وخلفَ مشاريعهم وطروحاتِهم؟!  

حتى باتوا يجاهرونَ بذلك مؤخراً ولا يُموِّهوه " خجلاً " كما كان يجري في السابق!!

وهل هؤلاء حقاً أصدقاء بتجرُّد.. غير ساعين لتحقيقِ مصالحهم الإقليمية والدولية والذاتية؟!

وكيف حصلَ أن أُهير الاقتصادُ وليرتُه.. في عهدٍ رئاسي حليف لسياسة الولايات المتَّحدة حتى العظم.. جيء به فرْضاً.. بقوةِ الإحتلال الإسرائيلي.. وسبقَ تلك المرحلة.. وهيَّأها بتجاوزاتِه وصفقاتِه ولعْبِه على العمولةِ والفوائد والصَيرفة.. للاستدانة؟!

وهل هو سلوكٌ أو تدبيرٌ فردي وغير مبرمج؟!

أم هو مخططٌ منظَّم وطويلُ الأمد.. يعرفُ واضعوه كيفَ يصفوُّنَ حلقاتِه.. وكيف يسيِّروه نحو الهدف؟؟

ففي أيِّ وسطٍ تجاري مهدوم.. من أيَّةِ عاصمةٍ منكوبة حول العالم.. يأتي مشروعُ بناءٍ تضامني حسب العبارة الفرنسية المُركَّبة " سوليدير " يستملكُ العقاراتِ الخاصة بأرخصِ ثمنٍ.. ويملِّكُها لغير مالكيها الأصليين أو المحليين بالأغلى؟!

ويتبرَّعُ المقاولُ العظيم الذي تبنَّى تنفيذَ المشروع بمبلغٍ.. ليحصدَ في المقابل عقاراتٍ وأرباح تُقدَّرُ بأضعاف قيمةِ التبرُّع؟!

أهكذا يكون تضامُن الدولةِ مع المالكين من الشعب؟!

وهكذا تُنفَّذُ الأفكارُ والمشاريعُ.. الناجحة.. من حيث المُنطلق؟!

ثمَّ تنهارُ وبشكلٍ متوقَّع شرائحُ المجتمعِ.. اقتصادياً ومعنوياً.. شريحةً تلوَ الشريحة.. ويُسرَّحُ الموظفون بنسبٍ عالية.. وينكسرُ المستثمرون.. ويتوقَّف العاملون عن العمل.. ويخسرُ الوطنُ ثلثَ أبنائه.. دفعةً واحدة.. بعد أن خسرَ الملايين عِبر السنين.. يهاجرون.. يغتربون.. يعملون في الخارج ونادراً ما يعودون؟!

على أيِّ ساحاتٍ وطرقاتٍ عامة.. نزلَ ثلاثةُ أرباع شعبٍ للتظاهُر ولتأييد موقفٍ من هذه الجهة أو تلك؟!

فلم يبقَ في منزلِه تقريباً.. إلاَّ ربعٌ غالبيتُه من الأطفال والمرضى والعجائز!!

على أيةِ شاشاتٍ صُغرى أو كُبرى رأيتم خارج لبنان.. محللين.. يحققون ويقاضون ويحاكمون.. ويقررون مصيرَ الناس كما الدول الصديقة وغير الصديقة والقريبة والبعيدة؟!

وقد جيء بمحللين استراتيجيين أو عسكريين متقاعدين.. ما إن بدأ المشاهدون الاستمتاعَ بتحليلهم وفق اختصاصهم عشيةَ غزو العراق.. حتى راحَ بعضُهم ينحازُ في أهمِّ قضيةٍ منفجرة.. بتقديراتِه " الواقعية " واستنتاجاته " المنطقية " طبعاً لأنها منسجمة منطقياً مع ما تقاضاه واقعياً لقاءَ كلامه!!

ففي ظلِّ أي تحقيقٍ بأي جرمٍ مهما كان هاماً أو غير هام.. تُبدى الآراء؟! وتُبنى المواقف؟! وتُجرى الانتخابات؟! وتُحصد على ضوء ذلك النتائج؟!

يتدخَّل هكذا النوابُ والصحافيون والسياسيون ومن شاء من الناس.. في تأكيدِ التفاصيل.. وفي اتِّهام فلان وعلتان.. فيؤتى بمحققٍ مسرحي.. يُتْقنُ دورَه إلى حدٍّ مُضحكٍ ومبكٍ في آن.. يليه آخر يعرفُ بالأصول القضائية والقانونية ولكن لا يتمتَّع بغير النزاهة.. فلا استقلالية تماماً له ولا حرية تامة لديه.

فهل ما زلنا نحيا في عصرٍ حجريٍ مضى ونحتاجُ - بسبب الجهلِ السائد - إلى ضحيةٍ في كل قضية؟!

أم أنَّ هناك مصلحة لأحدِ النافذين في برمجة حلقاتِ التضليل؟!

تنتظرُ الاستثماراتُ والمشاريعُ محكمةً دولية.. تترقَّبُ الحكوماتُ والأحزابُ ما سيجري.. تقومُ الطوائفُ تارةً قيامتَها.. وتارةً أخرى تقومُ على بعضِها.. وطوراً تُستنفرُ ضدَّ مجهولٍ.. علماني.. سلَفي.. دخيل.. غريب.. عميل.

يؤتى بالشاردِ والواردِ إلى التحقيق.. بكلِّ من يُشتبه به سياسياً.. وما أكثر الشبهات السياسية في لبنان.. إنها في كلِّ حيٍ ودارٍ وقريةٍ وبيتٍ وحزب.. وداخلِ كلِّ مواطن.

ولا يؤتى بالذين شُكِّك أو اشتُبه لأسباب حسيَّة وملموسة.. في قيامهم بالعمل الشنيع.. لحججٍ متَّصلة بالحجِّ!!

ومن قال إنه لا يوجد بين الحجَّاج.. أو المصلِّين في أي دارِ عبادة.. أحدٌ قد قامَ بأعمال من هذا النوع؟!

هل يوضع مجتمعٌ برمَّته في قفص الاتهام.. في دائرةِ التشكيك والاشتباه؟!

هل توجَّه الاتهاماتُ المُهينةُ أو القاصدةُ الإهانة.. إلى جهاتٍ سياسية معروفة وبعضها قديم.. وتنظيماتٍ دينية وخيريَّة.. وإعلاميين ووجهاء وعُقلاء.. وكيف هذا؟!

وما كانت طبيعة علاقات المغدور به المتشعِّبة والعديدة.. ليس علاقاته السياسية وحدها.. بل التجاريةِ أيضاً والعمليَّة والنقديَّة.. بما أنه رجل مال وأعمال في الأصل.. ومع من؟!

ألا يُستقصى عمَّا جرى بينه وبين أحدهم من سوء تفاهم.. حتى قرَّر اغتيالَه؟!

طالما أنَّ الأعمال تحوي في أحيان على سريَّة مُعيَّنة وعلى شقٍ غير واضح وقابل للتأويل والتفسير؟!

وهل يُغفل عن تماشيه مع الخط السياسي للمملكة العربية السعودية.. وما جرى بينها وبين السلفيين المقيمين فوق أراضيها؟!

فكيفَ تُقدَّر الجهاتُ المستفيدة وغير المستفيدة؟! وعلى أيِّ أساس؟!

أهي جهاتٌ وطنية مُدرجة على لائحة الوطن.. ومساهِمة في مشروعِ بناءِ الدولةِ ونهوضِها بعد حقبةِ الدمار والحرب.. ومن صلب النسيج الاجتماعي؟

أم أنها جهةٌ خارجة عن الموضوع ولا مصلحةَ أو صلةَ لها بالوطنِ ودولتِه؟

ألا يهمُّنا التنقيبُ عن كلِّ ذلك؟!   

فهل هي في المحصِّلة محاكمةٌ سياسية مبنية على الخيارات والمواقف.. والمزاج؟!

أم هي محاكمةٌ قضائية مبنية على الأدلَّة والقوانين.. وحسب؟

وهل منشأوها لبنان المفجوع والمتضرِّر أم واشنطُن وباريس المفجوعتان والمتضررتان؟!

أليس للقضاء في لبنان كفاءةٌ في الكشفِ عن شيءٍ من كلِّ ذلك؟

وهل هو بنظرِ عائلةِ أو جماعةِ المغدورِ فاسدٌ إلى هذه الدرجة؟

وكيف تعاطوا معه قبل ذلك.. بكلِّ راحةٍ.. وقبِلوا العيشَ بكنفِ لبنان وقوانينهِ وتشريعاتِه وسلطاتِه.. إذاً؟

ألا يمكن للأجهزة الأمنية إجراءَ تحقيقٍ بإشراف القضاء؟!

وهل كانت هذه الأجهزة ساقطة في ذاك الوقت.. ومُباعة ومرهونة إلى حدٍ لا يوثق فيه بأدائها وتحرُّكها؟!

وهل فشلت في ضبطِ الأمن في البلاد أم نجحت إلى حدٍ كبير؟!

وهل التبديل الذي جرى في مواقعِ ضباطِها والكثير من عناصرها.. بدَّل في الأمر شيئاً.. وحسَّن في سلوكِها وأدائها؟!

وهل إجراء تحقيقٍ للوصول إلى أية نتيجة ملموسة.. مهمةٌ مستحيلةٌ أم مسألةٌ مستحيلة؟!

إلامَ أدَّى في المحصِّلة كلُّ ذلك؟ إلى التسريعِ في التحقيق؟ أم إلى تعطيلِه وتجميدِه وتفويت الفرصة للوصول إلى الحقيقة.. التي وفق هذه الشروط.. قد تضيع؟! 

فهل سمعتم أو تسمعون شيئاً جرى أو ما زال َ يجري من هذا القبيل خارج لبنان؟!

قد سمعتُم بالتأكيدِ عن قسطٍ قليلٍ من هذا القبيل قد يجري أينما كان.. ولكن لم ولن تسمعوا أكثرَ من ذلك.. ولن تسمعوا حتماً عن كلَّ ذلك قد جرى في بلدٍ واحدٍ غيرِ لبنان.. فلبنانُ فريدٌ من نوعِه.

لربما جاءت شاحنةُ الميتسوبيشي عن طريق الشام.. بعد أن سُرقت من اليابان أو أُرسلت إلى إحدى الأسواق العربية الحرة حيث سُرقت.. ثمَّ أُنزلت على الأرجح بالعراقِ حيث حُمِّلت بالمتفجرات.. أو عبرت عن طريق الخليج.. لا أدري.

ولكن ألا يعرفُ الجميعُ كيف كانت مواصفاتُ الحدود بين سوريا ولبنان في ذاك الزمان.. وكيف كانت تجري المراقبةُ الانتقائية عليها طيلةَ السنوات؟!

ألم يكن كافياً مبلغ 1000 ليرة سورية أو عشرين دولاراً لأحد العناصر هناك.. لاجتياز الحدود دون تدقيقٍ كافٍ وربما دون توقُّف؟!

ألم يحاول بعد الحادثةِ بسنةٍ ونيِّف.. أحدُ السلفيين وبالطريقةِ عينِها.. اجتيازَ الحدود.. وعندما مُنع من ذلك فجَّر نفسه داخل سيارتِه؟

فلولا الحادثة الكبيرة والهامة.. التي بدَّلت مواصفات الحدود.. وقلَّصت كلَّ العبورِ عليها.. وزادت التنبُّه والتيقُّظ.. لنجحَ ربما هذا في تمريرِ آليتِه المُلغَّمة.

أمَّا أن ترتبطَ المحاكمةُ السياسية أو الشعبية لمرحلة الوجود السوري في لبنان.. برمَّتِها بقضيةِ اغتيال إحدى الشخصيات!!

فهذا اختصارٌ لأخطائها المتشعِّبة.. وتقنينٌ إلى درجةِ الابتذال.

ومن هذه الأخطاء كما تعرفون: مَسك البعض لملفِّ العلاقات بين الدولتين.. وما ظهرَ عن هذا البعض فيما بعد من ارتباطاتٍ خارجية.. أو ولاءاتٍ رديفة.. وممارساتٍ بشعة.. واحتمالِ ضلوع بأيةِ صفقات.

ومنها أيضاً: قيام المافيا المشتركة بين البلدين المتجاورَين.. التي نهبت نصفَ المال العام وبعضَ المال الخاص وأثرَت الكثيرين من هنا وهناك.. في سياقِ علاقةٍ بدت أحياناً غيرَ صحيحة ومنحرفة عن مسارِها القومي والطبيعي.

أهكذا يُكتبُ التاريخُ عندنا.. وتُفهمُ المسائل؟!

لا عجبَ إذاً من عدمِ وجودِ تاريخٍ واحد وموحَّد لنا.. ومفهومٍ وطنيٍ واحد.. يجمعُنا.

حتى تُثارَ تلك المحاكمةُ " الإعلامية " علاوةً عن ذلك.. ممن استفادوا من هذا الوجود وتلك المرحلة!!

أما كان بالحري عليها أن تُقامَ فعلياً.. ولو أدَّت غرضَها معنوياً فقط.. وتُعيَّن.. من الشعبين اللذين دفعا ثمنَ تلك التجاوزات للمؤسسات؟!

وأقلَّه الوهن الذي أصابَ محبتهما لبعضهما.. وتقاربَهما وعلاقاتهما الوثيقة واليومية؟

فهل سوريا بلدٌ غير عربي؟!

ليس لديها ما لدى العرب من مشاكل وعلى رأسها التخلُّف.. الذي من مظاهرِه العديدة:

عدم احترام القوانين والأنظمة من تلقاء الذات.. وعدم معرفة الفرد لحدودِ حقوقِه الفردية وحدودِ حقوقِ الآخرين.. أو عدم الترفُّع جراء غيابِ ذلك.. مما يعكسُ سلوكاً يومياً.. لا يخلو من بعض الإزعاج أو العدائية.. بين شتَّى المواطنين المتعاملين مع بعضهم البعض.

يعقبُه الامتيازاتُ غير المُحقَّة.. والمُعطاة من بعضِ المسؤولين بشكلٍ جانبي..

أو المُكتسبَة دون أي عطاء.. لمجرَّد أفراد..

ثمَّ يأتي دورُ الفساد المستشري في الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة.

وهل الإصلاح الذي يبدأ بالرأي الحرّ وينتهي بالتطوُّر العام للمجتمعِ والدولة.. وليس بالقرارات والإجراءات أو الرغبات وحدها.. هو اختصاصٌ مُناط بغير السوريين فيما يخصُّ بلادَهم؟ أو اللبنانيين أو الفلانيين فيما يخصُّ بلادَهم أيضا؟!

أليسوا هم المعنيون بالشأن قبل سواهم.. يرزحون تحت عبء تلك الشوائب ويحاولون قدرَ المُستطاع معالجتها؟

ألا يُحالُ الكثيرُ من المسؤولين في سوريا ومن رجال الأعمال ومن الموظَّفين الرسميين وغير الرسميين إلى المحاكم أو إلى المحاسبة؟

بعد أن كان شعارُ الحدِّ من الفساد أساسياً في انتخابات الرئاسة الانتقالية؟

أم أنَّ ممانعة سوريا حيال أية شروط تسوية غير مشرِّفة في المنطقة.. ومنها ضرورة عودة الجولان وقيام دولة فلسطينية.. هي أساسُ المشكلة وتناول حلفاء واشنطن من الشرق والغرب لها ولسمعتِها ومشاكلِها الداخلية؟

وهل تناول الوضع السوري من أصدقاء أو مؤيِّدين لدولٍ عربيةٍ كالسعودية أو مصر على سبيل المثال.. يُغنينا عن الخوض في مدى تدخُّل تلك الدولتين ومنذ مطلعِ القرن العشرين في حلِّ مختلفِ القضايا العالقة.. لا سيَّما التي بيننا وبين الغربِ وطفلتِه المدللة التي أوجدَها وولَّدها " إسرائيل ".. وعلى حسابِ حقوقِنا أو مواقِفنا في أحيان؟!

ليس إلاَّ للحفاظِ وبالدرجةِ الأولى على استتبابِ الأمنِ في المنطقة.. من أجلِ تأمينِ استمراريةٍ.. لمصالحَ دولية وإقليمية محدَّدة.

وهل يُغنينا أيضاً عن الخوضِ في مدى انتشارِ التخلُّف والفساد والامتيازات في تلك الدولتين العربيتين والشقيقتين.. مع ما يتبع ذلك من حجبٍ للحريات العامة والخاصة؟!

وهل السودانُ أو العراقُ أو الجزائرُ في وضعٍ أفضل؟!

وبالعودةِ إلى لبنان.. المُفترضِ أن يكونَ واحةً للحريةِ ومساحةً للفكرِ والثقافةِ والتنوُّر والرُقيّ.. حيث تلتقي الحضاراتُ الغربيةُ بالشرقية والمسيحية بالإسلامية..

وحيث تنتشرُ المسارحُ ودورُ الفنِّ والمعارض والمؤتمرات..

وتؤسَّسُ الشركاتُ والمصارف والمشاريعُ التنموية..

حيث يتنادى المصطافون والسائحون للقيامِ بجولاتٍ ترفيهية منوَّعة.. وينظِّمُ المنظمون نشاطاتٍ في مختلفِ المناطق والمجالات..

وحيث لم يبقَ من اللبنانيين الأصليين.. نصفُ تعداد السكَّان.. بسبب حبِّ السفر.. والهروبِ من الضجر.. وركوبِ الأمواجِ أو الطائرات.. لرؤيةِ القمر.. والتحلِّي بروحِ المغامرة.. للتلذُّذِ بشعورِ الخطر.

وليس لأسبابٍ ثانوية وتافهة على غرار الإقتصاديةِ منها.. الناجمةِ عن السرقات والإنهيارات المالية والديون وسوء الإدارة وشحِّ الموارد.. أو على غرارِ السياسيةِ.. الناجمة عن الخلافات العميقة والمصالح الضيِّقة والتآمُر والخيانة بالجُملة والمفرَّق.. أو التهرُّب من الوعودِ والالتزامات.. أو لأسباب طائفية.. ناجمة عن التناحر والتنافُس والتقاتُل والتناتُف..

أو أمنية.. ناجمة بدورِها عن التجسُّس والمراقبة والمصادرة والإلغاء والتغييب والتصفيات الجسدية.. والشلِّ والإعاقة.

وحيث عجزَت الأجيالُ المتعاقبة والمثقَّفة والمتعلِّمة في أعرقِ المدارس والجامعات.. عن إدراة شؤونِ البلدِ وشجونِه.. بالرغمِ من علاقاتِها الدولية الواسعة.. وشهاداتِها الأكاديمية العالية.. وإلمامِها باللغاتِ والحضارات والثقافاتِ والعلومِ الحديثة.. وأحدثِ الوسائلِ والأساليبِ والابتكارات.. وآخر ( الصرعات ).

فاستراحت ربعَ قرنٍ عن ذلك الهمِّ.. ليديرَه من خلالها ونيابةً عنها.. أو دون ربحِ جميلها.. حفنةُ ضباطٍ وسياسيين.. متخلِّفين عن تلك الأطوار المتقدِّمة التي بلغتْها.. والذين اتَّصلت أسماءُ بعضهم.. كما أُلمِح آنفاً.. بشكلٍ أو بآخر.. ومداورةً.. بمشاريعَ جانبية أو جهاتٍ تارةً جانبية وتارةً أجنبية.. فكانت النتيجة.. كارثية على الجميع.

ومكثَ بيتُ القصيدِ في الفهمِ.. وما نفعُ العلمِ دون فهمِ أو تطبيقِ ما تعلَّمناه؟!

وها هو لبنانُ الصغيرُ بحجمِه وتعدادِ سكانِه والكبيرُ وفق خارطةِ الانتداب الفرنسي.. يعجزُ عن العثور على حاكمٍ محلِّي يَدري - بعد جنابِ الوالي.. أو السلطانِ المُعظَّم.. أو دولة المتصرِّف.. الذين أراحونا قروناً لا عقوداً.. كالمندوبِ السامي أو الضابطِ من الرتبةِ عينِها.. غير السامي - كيف يَحكمُ!!

حتى بِتنا ( صندوقَ فرجةٍ ) للعربِ والعالم.. يتسلّون بأخبارِنا الصباحية والمسائية.. وبأفلامنا ومسلسلاتنا الواقعية live والحركيَّة action ويستخلصونَ منها ومن مشاكلِنا العُضال.. أي العالقة إلى الأبد.. في مختلفِ الميادين.. التي لا تُعدّ ولا تُحصى.. حلولاً لمشاكلِهم العربية الشاسعة.. على امتدادِ مساحاتهم الواسعة.. والتي لم يطرحوها حتى في أيةِ وسيلةٍ إعلامية.. ولا تداولوها خارجَ نطاق الحكَّام.

كما يستخلصونَ أفكاراً لمشاريعهم الغربية الحديثة.. والمنطلقة منذ فترةٍ غيرَ كافيةٍ بعد للإنجازِ والاكتمالِ..

أم يستخرجونَ دفْعاً ونشاطاً للركودِ الذي يصيبُ دورتَهم السياسية والحياتية.. بشكلٍ عادي.. ناجم عن الإفراط في إلغاءِ الفوضى وتطبيقِ النظام.

فنتأمَّلُ في البداية.. بداية المشكلة.. بداية التكوين.. اللبناني.

بداية النظام الطائفي.. وحسب؟! العائلي.. وحسب؟! الفردي.. وحسب؟!

أم النظام المهيأ لسائرِ أنواعِ الأمراض السياسية والاجتماعية والنفسية.. مثلَ: فقدانِ الذاكرة الجماعية.. وفقدانِ الثقةِ بالذاتِ وبالآخرين.. وفقدانِ الروحِ الوطنية.. وشعورِ الانتماء؟؟

نتأمَّلُ فيما نراهُ ولا نصدِّقُه بلغَّةِ العقلِ والمنطق.. وإن صدَّقناه غصباً عنَّا.. بلغةِ الواقع السياسي غير الواضحة أو المفهومة.. أو المرصوفة مفرداتُها.. أو المبنيَّة جملُها.. على أسسٍ لغوية وعلميَّة صحيحة!!  

نتأمَّلُ مثلاً: كيفَ نسيَ أهلُنا السنةُ في بيروت.. وبسرعةٍ قياسية.. كم قتلَ بشير الجميل وميليشياتُه منهم؟!

ليس في سبيلِ الثأرِ من أبنائه.. أو أحفادِه.. أو جماعتِه.. أو أحد.. أو حتى ماضيه.. كما يُشيَّع.

وليس في سبيلِ منعِ أو حجبِ أيةِ مصالحةٍ بيروتية أو وطنية.

وليس هذا في سبيلِ تذكيرهم بأبنائهم وإخوتهم وآبائهم.. وخسائرِهم.. وصمودِهم الوطني.. وتمسُّكِهم بعروبتهم.. عندما كانت مُهدَّدة ومُهمَّشة.

ولا لتذكيرِهم بالخطفِ والتصفيةِ والقنصِ والسيارات المفخخة وشظايا الهواوين والحِقبةِ السوداء.

ولكن ماذا جرى لهم.. حتى ينتخبوا.. بالتذكية.. زوجتَه المخلصة والوفية له ولنهجِه من بعدِه؟!

وعن أيِّ نهجٍ بِتنا نتكلَّم؟!

أهو الدولارُ المقبوضُ من تيار المستقبل.. الضبابي في هذا الحال؟!

أم هي الكرامةُ المدفوعةُ من الدماءِ والأعراض.. ومن حسابِ الضحايا.. ضحايا الماضي المَنسي.. وغير المعبِّر أو المفيدِ في شيء؟!

ضحايا " المؤامرة ".. والعدوان الداخلي والخارجي.. الذي لم ينتهِ فجورُه بعد.. ولم تنتهِ بالتالي مدَّةُ صلاحيتِه.

فيما انتهت مدَّةُ كلِّ الصلاحيات.. في استخلاصِ العبرِ والدروس من أيِّ فعلٍ ماضٍ!!

ألم يبقَ في بيروت.. مرشحٌ واحدٌ حريصٌ على مصالحِ الموارنة.. وصديقٌ للجميع.. وصالحٌ لهذا المقعد غيرَ ذاك المُرشَّح.. الذي لم يعتذرْ حتى بكلمةٍ واحدة عمَّا فعلَه قائدُه وملهمُه؟!

وهل يمثِّلُ المسلمينَ السنَّة ويحملُ همومَهم وتطلعاتِهم المستقبلية.. تيارٌ كهذا التيار.. الحاوي على تلك المغالطات.. والمموِّل لأمثالِه من حديثي النعمة؟!

ألم يلغِ العائلات البيروتية العريقة.. ووجوهَها.. ونوابَها.. ودورَها.. واستبدلَها بموظَّفين طارئين على الحياة السياسية.. يتقاضونَ الرواتبَ لقاء مواقفِهم المُرتجلَة وتصريحاتهم النارية؟!

يتوزَّعون أدواراً مسرحية هامشية.. تحت أضواء.. تارةً مُسلَطة وطوراً خافتة أو مُطفأة؟!

فلا عجبَ مما يحدُث ولا استعجاب.

ماذا كنتم تتوقعون.. غيرَ الذي حدثَ وقد يحدُث؟؟

ماذا كنتم تتوقَّعون وليس عندنا على ما يبدو.. قواعدَ ثابتة.. ومسلَّمات بديهية!!

ولا يوجدُ عندنا حتى حساب.. إلاَّ في الآخرة!!

فنحنُ قومٌ ننتظرُ المنيةَ.. للحساب.. ولا نستأهلُ محاسبةَ أحدٍ في الحياة.. حتى تكونَ حياتُنا كريمةً.. كحياةِ بقيةِ الأقوامِ والشعوب الحيَّة.

وعذراً من إبداء الرأي.. ليسَ إلاَّ.. لأننا نحيا كعائلةٍ في بيروت منذ ما يزيد عن 150 سنةٍ.. ولذلك نشعرُ بانتمائنا إلى هذه المدينة.. قبل الكثيرين ممن استوطنوها وحلّوا بعدنا فيها.

وبما أننا أمضينا فصولَ الصيفِ في الجبل.. حيث كنا نصطافُ كبقيةِ العائلات اللبنانية.. وحيث أمضى جدُنا قسماً من حياته هناك.. بعد رأس بيروت.. لأسبابٍ لن نخوضَ فيها الآن.. سوف نستعرضُ معاً بقيةَ تأمُّلاتنا.. فيما خصَّ أهلَنا من طائفةِ الموحِّدين الدروز.

فبنو معروف.. معروفٌ عنهم كرمُهم وشهامتُهم وغيرتُهم ونباهتُهم.. وهذه الكلمات ليست أبداً من باب المجاملة.. فلا رزقَ لي معهم ولا مصلحةَ.. ولا حتى علاقة قربى أو جيرة.. فأنا أعيشُ منذ سنواتٍ عدَّة.. بعيداً جغرافياً عنهم تمامَ البُعد.

ولكنَّ خصالَ هذه الجماعة.. لا تُخفى على أحد.. لا بحسناتِها ولا بسيئاتِها.. ليس إلاَّ.. لأنهم جزءٌ لا يتجزأ من شعبنا.. الحاوي على خصالٍ حميدة وعلى بعضِ الخصال غير الحميدة أيضاً..

ومنها: الحذر من الآخر.. حتماً لأسباب تاريخية.. ولكن لعدم الانعتاق فعلياً بعد.. في المجتمعِ غير المنصهرِ أو المتكاملِ بحدِّ ذاتِه.

فبنو معروف يرحِّبونَ بالضيفِ أجملَ ترحيب.. ولم أشاهدْ شخصياً ترحيباً أجمَل.. وهم في الوقتِ عينِه.. يتفحصُّون هذا الضيف وينتبهون لحركاتِه وكلماتِه ومقاصدِه.

فإذا اتَّضح كريماً وجديراً بالتكريم.. يواصلونَ علاقاتِهم الطيِّبة والطبيعية به.. أمَّا إذا لم يكُن كريماً وعلى مستوى التكريم.. يقيِّمونَه تمامَ التقييم.. ويعاملونَه على هذا الأساس.. دون مُسايرة أو تبييض لأيٍ من صفحاتِه.

ومن هنا عليك أن تبقى متيِّقظاً أو منتبهاً في علاقتك معهم.. وألاَّ تُخطئ بحقِّهم أو حقِّ أيِّ فردٍ منهم.. حتى لا يبادلوكَ الخطأ.

فالمسألة ليست نابعة من الطبيعة القبليَّة العربية تماماً.. بل من معادلة بسيطة ومفهومة حتى لدى سائر القبائل.. بما فيها البدائية.. وهي المعاملة بالمِثل..

أي بما ينطبق على المثَل القائل: كما تراني يا جميل أراك.

ولكن.. أن يغدرَ الدروزُ بجيرانِهم الأبرياء.. ويقتلونهم أو يستبيحون دماءهم وأعراضَهم.. بعد العيشِ معهم قروناً طويلة.. ودون التمييز فعلياً بينهم.. وبين من اعتدى عليهم.. أو أذنبَ بحقِّهم!!

فهذه قضيةٌ من الصعبِ تصديقها أو التسليم بها.. إلاَّ إذا كان هناك سببٌ غير ظاهر.. أو عاملٌ غير مفهوم وغير واضح. 

وإذا أردْنا تحليلَ هذا العامل والتنقيبَ عن هذا السبب..

قد نجدُه منطقياً في محاولةِ إنشاءِ دولةٍ درزية.. جيء كثيراً على ذكرِها.. وذكرِ مساعي إسرائيل في إنشائها.. لتمتدَّ ما بين الجولان والبقاع الغربي والجبل.

مما يقتضي تهجيرَ بقية الملل والطوائف.. عن طريقٍ تقليدي يعتمدُ الذبحَ والمجازر.

أو نجدُه مُخبأً بكنفِ مسألةٍ شخصية.. مسَّت بكرامة وشعور وليد جنبلاط.

وقد لا نجدُه أبداً.. إلاَّ في حقيقةٍ واحدة.. وهي ريادةِ وقيادةِ هذا الوليد.. لأكثرِ دروزِ لبنان.

ومن هنا نعودُ إلى الوراء.. ليس بعيداً.. بل قريباً.. إلى تاريخِ والدِه.. حتى نفهمَ حقيقةَ المفارقة.

لم يتصرَّف مؤسسُ الفكرِ السياسي الحديث والخاص بتلك الجماعة.. أي الزعيم والمفكِّر الراحل كمال جنبلاط.. ولا مرةً.. كما تصرَّف ابنُه من بعدِه.

( هذا مع احترامِنا لكلِّ المفكِّرين والسياسيين الذين لمعوا من بين الدروز.. إنما تميَّز كمال جنبلاط عنهم.. مما أكسب آل جنبلاط امتيازاً.. لم يكُن ملكاً لهم في السابق ).

ولم تشبهْ صفاتُه المتواضعة والحكيمة.. أيةَ صفاتٍ من صفاتِ وريثِه الوحيد.. الوليد.

فسيرةُ حياتِه.. شاهدةٌ على صحَّة أقوالِنا.. ومؤلَّفاتُه ونتاجُه أيضاً.. كما مواقفُه النضالية والسياسية.. شاهدٌ حاسمٌ على صحَّةِ ما نقول. 

لربما عارضَ مراراً النظام.. الذي كان ركناً من أركانِه.. بل قضى جزءاً هاماً من حياتِه السياسية في المعارضة.. إذ كانت لديه أسبابُه.. الناجمة عن مُعضلة النظام الطائفي والامتيازي في لبنان.. مع كلِّ ما يحملُه هذا النظام المُركَّب من بذورٍ للفتنةِ.. ومجالاتٍ للفسادِ والفوضى.. واحتمالاتٍ للصدامِ والشغب.

فقادَ ثورةً ضدَّه في الخمسينات.. لم يرتكبْ خلالها أيةَ مجازر بحقِّ المدنيين.. وعادَ وأسَّس الحركة الوطنية في السبعينات.. التي ضمَّت 13 حزباً.. حرصَ على ألاَّ يرتكبَ أيُّ حزبٍ منها.. مجزرةً بحقِّ المدنيين أيضاً.

عارضَ فكرةَ إسرائيل في إنشاءِ دولةٍ درزية.. وتصدَّى بقوَّة لكلِّ محاولاتِها في هذا المجال..

وبعد استشهادِه.. ورثَه طائفياً وحزبياً ابنُه.. وفق المتعارف عليه في أكثر أحزابِنا اللبنانية.

أما أسباب استشهادِه.. فمعروفةٌ.. لتعلُّقِها في تلك الفترة.. بأحد الإحتمالين:

إمَّا إقامةُ دولةٍ تقدُّمية في لبنان على حسابِ فريقٍ.. سوف يُهزم عسكرياً.. وغير عسكرياً.. لو استمرَّ حصارُ الحركة الوطنية.. للمنطقة الشرقية.. بمؤازرةِ المقاومة الفلسطينية.

وإمَّا طلَب التدخُّل العربي والدولي في وقفِ النزاع الدائر.. كما جرى.. مع إيجادِ حلولٍ مُتساوية ومتعادلة لجميعِ الأطراف.

ثمَّ ما لبثَ أن اتَّضحَ حيِّزٌ من كِلا الطرحَين ولو بعدَ حين.. افتراضياً.. أكثر ممَّا كانَ قابلاً للتنفيذ.. وممكناً وفق الواقع الدولي والإقليمي.. ووفقَ أساليب التعامُل والتعاطي مع المصالح.

وما إن تمَّ نقل الزعامة من الأب إلى الابن.. اختلفت بعد فترةٍ كلُّ الأمور!!

فأمسى هذا الأخير محايداً حيالَ الصراع العربي - الإسرائيلي.. ومتطرِّفاً حيالَ الصراع الداخلي.. لكن ليس على طريقةِ أبيه.

إذ لم يدُم موقفُه الملتزم بنهجِ أبيه التقدُّمي.. والإشتراكي.. والمعارض للإنعزالية حتى العظم.. والمعارض أيضاً للإمبريالية الغربية.. غيرَ سنواتٍ وجيزة.

ثمَّ انقلبَ وفق الظروف والرغبات.. إلى موالٍ لتلك المفاهيمِ والسياسات.. ومعارضٍ للخطِّ الوطني.

ومنه ضمَّ حزبَه إلى " منظمة الاشتراكية الدولية " التي كانت مؤلَّفة وقتذاك.. من سبعةِ أحزابٍ إشتراكية أوروبية.. حليفة لحزب العمل الإسرائيلي.. شريكها في المنظمة..

ومعارضة بقدرٍ كبير.. للحقوق والمواقف العربية وعلى رأسها حقوق الفلسطينيين وموقف منظمة التحرير.

قبل أن تتَّسع هذه المنظمة في الثمانينات وحتى التسعينات.. لدخولِ وعضويةِ أحزابٍ إشتراكية.. من مختلف قارات العالم.. عدَّلت بعضَ الشيء في مواقفِها.. إنما ظلَّت الأحزابُ الأوروبية مهيمنةً على قراراتِها.

ومنه قضى أيضاً على وحدةِ وتلاحمِ الأحزاب الوطنية.. كما قضى على أكثر مؤيديها وأعضائها من المسيحيين.. المقيمين بسبب انتمائهم أو ميلِهم في الجبل.

عادَ واستغلَّ بعد فترةٍ.. نسبةً مرتفعةً من الأصوات المسيحية في الانتخابات النيابية..

بعدما تكشَّفت حقيقةُ إسرائيل نهائياً.. لهم.. في استعمالِهم لمآربِها.. وبحثِها عن مصالحها دون الاكتراث بمصالحِهم.. ولو داهمَهم الوقتُ في إدراكِ ذلك.

وإثرَ وعودِه بإعادتِهم إلى قراهم..كوزيرٍ للمهجَّرين.. أو مشرفٍ من خلال وزيرِه المُعيَّن على تلك الوزارة.

أضيفَ إليه تحالفُه مع حفنةٍ من السياسيين.. الجاذبينَ لعددٍ من الأصوات.. والساعين كأكثرية السياسيين.. للمكانةِ والنفوذ.

مما أمَّن فوزَه انتخابياً في دائرة بعبدا - عاليه الموَّحدة.. بينما كانت الدائرةُ الأخيرة مستقلةً.. ومحسوبةً تاريخياً لصالحِ أمراء آل أرسلان وحلفائهم..

وفيما تصالحَ مع القوات اللبنانية.. التي شاركتهُ في ارتكابِ المجازر.. عادَ أيضاً بعد مدَّة.. ليناصبَ أوسعَ وأحدثَ تيارٍ مسيحيٍ متشكِّلٍ.. وهو التيار الوطني الحرّ.. العداء؟!

فكيف يستفيدُ من أصواتٍ مسيحية.. ويعادي بعدها تياراً يمثِّلُ أكثريةَ المسيحيين!!

أليس مُستغرباً أيضاً.. أن يقتلَ المسيحيين الوطنيين.. والآمنين.. بالآلاف.. بدلَ أن يصُبَّ جهدَه العسكري ضدَّ القوات.. التي لم يقعْ في صفوفِها خسائرٌ هامَّة..

وأن يغتالَ بعضُ عناصرِ حزبِه.. المقاومين العابرين على طرقاتِ الجبل.. من مختلف الانتماءات.. فيما لم يقتربْ أبداً من إلحاقِ أية خسائر بالإسرائيليين.. ولو من خلال عملياتٍ جانبية.. في سياقِ المعاركِ الدائرة هناك؟!

ألا يدلُّ كلُّ ذلك على نهجِه اللعوب.. لكن السائر بخطى ثابتة في الاتِّجاه المعاكس.. والمُخالف تماماً لنهجِ أبيه؟؟

ويدلُّ في الوقتِ عينِه.. على عدم إجراء المصالحة التامَّة والكاملة مع كلِّ الأفرقاء المسيحيين.. بل مع فريقٍ منهم.. يشاركُه توجهَه.. وأسلوبَه.. وخلفياتِه؟!

فكيف يكونُ هذا القائدُ وطنياً.. أو وفياً.. وهو الذي نقضَ بوفائه مع الذين وقفوا إلى جانبِه في محاربة المشروع التقسيمي.. والهجمة العنيفة ضدَّ الوطنِ ووطنييه؟!

وما لبثَ أن نقضَ بوطنيَّتِه أيضاً.. عندما أعلنَ في مواقفِه الأخيرة وعلى طريقتِه.. التي لا تخلو من التعالي والاستكبار والتوتُّر والشماتة ونسجِ الروايات.. عن التزامِه قرارات أو خيارات البيت الأبيض.. واعتذارِه عن كلِّ ما سلفَ بينهما من سوء تفاهم.

فهل الوطنيةُ تحتاجُ لشرحٍ وتوضيح.. عندما تتعلَّقُ المسألة بخطةٍ أجنبية.. متعارضة مع خطَّة لمِّ الشملِ المحليَّة.. ومع مصالحِ الوطنِ في توجُّهاتِه ومكوِّناتِه؟!

وهل آخرُ مقامرةٍ أو رهانٍ له.. في امتلاكِه غالبية أوراق الطائفةِ الدرزية.. يبيحُ له اللعبَ بموقفِ هذه الأغلبيَّة.. لوضعِه: حجراً بين ( شاقوفي ) المحور الإيراني - السوري - المقاوم.. من جهَّةٍ.. والمحور الغربي - الإسرائيلي.. المتزعَّم من الولايات المتَّحدة.. من جهةٍ ثانية؟!

وهل هذا الرهانُ.. مهما كانت نتائجُه.. يصبُّ في صالحِ هذه الجماعة.. ويناسبُها أو يريحُها وفقَ قياسِها.. وأعدادِ مواطنيها.. وإمكاناتِها؟!

واللهُ أعلمُ بما سيجري فوق فوَّهة البركانِ المتأجِّج في المنطقة؟!

فأيةُ مصلحةٍ أو ضمانةٍ.. لأهلنا من طائفة الموحِّدين.. كامنةٌ في الانجرار وراء مشروعٍ انحيازي ومغامر من هذا النوع؟!

وما حجم وليد جنبلاط في هذه المعادلة؟!

باعتقادي الشخصي.. صحيحٌ أنه ربحَ في السابِق رهاناتٍ معيَّنة.. وفق ظروفٍ معيَّنة.. بمساعداتٍ معيَّنة.. لا يجهلُها أحد..

ومع أخذ عامل اشتراكِه في ثورةِ الأرز الأخيرة بعين الاعتبار.. بمساهمة السواد الأعظم من الشعب.. مما آلَ لخروج الجيش السوري من لبنان.. وقد كان هذا الخروجُ في صالحِ الجميع.. حتى لا يُستهدفَ هذا الجيش.. كما استُهدف من قبل.. لو بقيَ حتى حرب تموز.. الواقعة لا محال فيه أو في غيرِه من الشهور.

وكي لا تستمرَّ أيضاً الفوضى والتجاوزات في غياب انتظام العلاقة الثنائية.. وتغييب فعالية المؤسسات.. التي شُكِّلت بين البلدَين وعلى رأسها: المجلس الأعلى اللبناني - السوري.. الذي نجحَ كفكرةٍ وفشلَ كتنفيذ.

ولو استغرقَ بناءُ العلاقات الجيدة والمميزة.. بين مختلف المؤسسات الرسمية والدبلوماسية..  من جديد.. وقتاً ليس بالبعيد.

لم يعدْ هناك أمام وليد جنبلاط اليوم أيةُ رهاناتٍ رابحة وواضحة.. وقد أُقفلَ أمامَه علاوةً على أبوابِ الرهان.. أبوابٌ كثيرة.. منها التواصل الحقيقي مع الامتدادِ الدرزي في سوريا.. ومنها عبوراً إلى فلسطين.. وعليه.. قد يأخذُ إن استمرَّ على هذا الطريق.. السائرينَ وراءه نحو هوَّةٍ مكلفةٍ.. لا حاجةَ لهم بالنزولِ إليها.. كما جرى مع العديد من الشعوب أو الجماعات.. عِبر التاريخ.. التي عيَّنت أو اختارت ملوكَها وزعماءها وأولياءَ أمورِها.. ممن ورثوا بعد آبائهم أو أجدادِهم.. إرثاً سياسياً وقيادياً هاماً.. ولم يكونوا على مستوى المسؤولية.. فكان ما كان.. من كوارثَ وخسائر وبلبلة.

والأجدرُ بهؤلاء.. في هذه الحالة الواضحة وضوحَ الشمس.. تلقُّفَ الأمر.. وتقييم الوضع.. وتدارُك الأحداث.. قبل وقوعِها.. حتى يُعيَّن أحدُ أبنائه.. بدله.. ليكملَ أيامَه دون مشاكلَ وخضَّات.

وإلاَّ فقد قدَّمتُ نصيحتي للهواء.. أي دون أن تُقبل.. والغدُ خيرُ شاهدٍ على صحَّةِ أو عدم صحَّةِ أيِّ توقُّع.

ثمَّ جاءنا في الختام.. الرئيسُ الأميركي جورج بوش الابن.. بعد أن قرَّر هو وإدارتُه سحبَ وكالةِ لبنان الأميركية من دمشق.. وإنهاء مدَّة صلاحيتها.

ليطالبَ بإغلاق الحدود بين الشام ولبنان.. وترسيمها.. ومنع التدخُّل السوري في القضايا اللبنانية.. لأنَّ سلوك سوريا أمسى فجأةً غيرَ مشجِّعٍ.. وغيرَ إيجابيٍّ.. وداعمٍ للإرهاب في لبنان وفلسطين والعراق!!

ولأنَّ سوريا لا تفعلُ ما هو مطلوبٌ منها.. ولا تحترمُ التزاماتِها.. ولا حقوقَ اللبنانيين الديمقراطية!!

ولأنَّها تشكِّلُ مع إيران وأفغانستان وكوريا الشمالية وفينزويلا وبوليفيا وكوبا ويوغوسلافيا وصربيا والصومال والسودان والعراق والعشرات من الدول المُرشَّحة في أيَّة لحظة.. محاورَ للشرِّ!!

ولأنَّه يجب عزل الرئيس السوري.. كما عُزلَ الرئيس اللبناني!!

وما شابَه من طلبات ملحَّة وضاغطة.. وطروحات أو نظريات طائرة في الهواء.. ارتدت طابعَ التصريحات اليومية أو الأسبوعية خلال فترةٍ مديدة من عهدِه.. وذكَّرتنا في كثير من الأحيان بأسلوب التعامُل مع الطالب الجامعي وحتى المدرسي الفاشل.. الذي لا يُعطي نتائجَ جيدة أو مُرضية.. ليحصدَ في المقابل من مدرِّسيه وأولياء أمرِه.. ملاحظات من هذا النوع المؤنِّب والمُحذِّر.

فهكذا تُحلَّل المسألة.. نفسياً.. لأنَّ بوش قد سعى حسب الظاهر.. إلى تحويلِ الكلام الذي وجِّه إليه وهو طالب.. إلى سواه.. بعد أن أصبحَ رئيساً لأعظمِ دولة.

فقد عُرف عنه وهو طالبٌ لا تُعقد عليه الآمال - وهذا كلامٌ قديم إنما أعيدُ التذكيرَ بنبذةٍ منه - إنه يلاحقُ الفتيات بدلَ قراءة الكتب.. وقد أوقِف مراتٍ عدَّة بسبب تناول الكحول أثناء قيادة السيارات.. حتى أنَّ والدته علَّقت عند رؤيتها علاماته في هارفارد:

ماذا سنفعل بهذا الولد الفاشل؟

What are we going to do with that failing boy?

ومن ثمَّ فشلَ في الأعمال.. وأهمُّها بالنسبة لعائلة بوش في ولاية تكساس هو التنقيبُ عن آبار النفط..

فيما نجحَ فقط بإدارة فريق كرة القاعدة في مسقطِ رأسه Texan Rangers.

وبينما اتَّسمت الردود السورية الرسمية والقليلة بالطبع.. لعدم واقعية هكذا كلام.. بالسياسية.

 لُخِّصت في المطالبة بتقديم الإثبات أو الدليل على صحة الادِّعاء.. وتُرجمت من خلال تنفيذ قرارات الأمم المتَّحدة.. إضافةً إلى نشرِ مراكز مراقبة على الحدود مع العراق ولبنان.

فجورج بوش - الموصوف بثقافتِه الضعيفة والذي لا يعرفُ ما يعرفه سكانُ البلد الأصليين.. ولا يرى ما يرونَه.. حتى يطالبَ بفصلِ مسار العلاقات بين دولتين.. لا حدودَ جغرافية في الأصلِ بينهما.. وقد تعاملا منذ فجر التاريخ مع بعضهما تعامُلاً وثيقاً.. وارتبطا بعلاقاتٍ أهلية وعائلية.. قبل أن يفصلهُما رسمياً الاستعمارُ أو الانتداب.. لغاياتٍ لا تُخفى على أحد.. فيما لا يزالُ مواطنيهما يسعيان لكسبِ رزقهما.. وشراء حاجاتهما.. وتبادُلِ خدماتهما بين بعضهما - لا يختلفُ عن أبيه السياسي والروحي والجمهوري رونالد ريغن بشيءٍ.. كما لم يتعلَّم من أخطائه شيئاً.. لأنه سعى مثلَه ولو بعدَه.. بسنين.. لعزلِ لبنان عن محيطه الطبيعي.. ورميِه بأحضان إسرائيل.. إمَّا عن طريقِ غزوِه واحتلالِه وتدميرِه.. أم عن طريقِ تعجيزِه وإغراقِه في مشاكلَ ومآزقَ لا حدودَ لها.

أمَّا حلفاؤه من اللبنانيين الأذكياء.. فقد راهنوا على ذكائِه وبُعدِ نظرِه.. وعلى حربِ تموز التي خاضها من خلالِ ذراعِه اليُمنى إسرائيل.. كما راهن بعضُهم على الاجتياح عام 1982 في عهدَي ريغن وبيغن..

فأيَّدوا بالتالي ولو ضمناً أو عن بُعد.. استراتجياتِه الناجحة في أفغانستان والعراق والبلقان وجنوب أميركا.. وتوقَّعوا نتائجَ محسومة سلفاً.. في حروبٍ وقائية واستباقية.. وفي مكافحاتٍ للإرهاب وللأخطار المُحدقة بالبشرية.. على الطريقة الهوليوودية.. التي انتقلت من الأفلام المُصمَّمة إلى أفلامِ عنفٍ واقعية.. شاهدناها في المطاردات والاقتحامات والانتهاكات.. التي دارت في مدنٍ وأريافٍ وسجونٍ وأكواخٍ عديدة.  

ومنه هرعت وسائلُ إعلامِهم " الحرة "  " والديمقراطية " وراءَ أحد المواطنين الفقراء.. لتهريبِه غالون مازوت بأقلّ ثمن.. حتى يتدفَّأ به في فصل الشتاء البارد.. وهرعت بالتالي وراءَ المعابر والمنافذ.. التي لم ينتبهْ أحدٌ ومنذ زمنٍ طويل لها.. أو يعيرُها اهتماماً.. غير الذين اعتادوا السيرَ بأقدامهم عليها.. منذ عقودٍ لا بل منذ قرون..

ولطالما سمعتُ المسنِّين يتحدَّثون عن جهودِ الجمارك أيام الانتداب في منعِ التهريب.. بين لبنان والشام وفلسطين.

فيما تناثرت هذه الطرقاتُ " العظيمة " غير المُضاءة أو المُعبَّدة أو الصالحة لسيرِ الآليات.. كحبَّات الرملِ وحبيباتِ الماء على طول الحدود الطبيعية.. المتداخلة والمُتشابكة.

فهل تاريخُ هذه الحدود.. منذ وضعِها - وأصولُ التعاملِ معها.. لتحديدها وترسيمِها.. ووضعِ خطوطٍ دوليَّة ونهائية عليها.. وهذا حقٌ لا يناقشُه أحدٌ.. قائمٌ بين كلِّ الدول العربية - يشبهُ حالةَ حدودِ الولايات المتَّحدة الجنوبية مع المكسيك؟!

هناك احتلَّت الولايات المتَّحدة في القارة الجديدة ولاياتٍ مكسيكية وضمَّتها إليها..

ثمَّ نزحَ ملايينُ المكسيكيين لهذا السبب.. وبسبب العوز باتِّجاه الشمال السليب..

وراحت السلطاتُ الأميركية تتعقَّبهُم وتطاردُهم وتحاولُ منعَهم من دخولِ أراضيها.. على امتدادِ عشراتِ السنين.

قبل أن تحاولَ معالجة المسألة.. وتحرِّر التجارة والتداول مع دولتي المكسيك وكندا.. لتسريع العجلة الإنتاجية بين البلدان الثلاث.. لفتحِ أسواقِها وأسواق كندا أمام السلَع المكسيكية.. وهذا كي تنشِّطَ العبورَ النظامي على حدودِها الجنوبية.. على حسابِ العبور غير النظامي.. الذي لم يتوقَّف رغمَ ذلك.

أمَّا هنا فبسبب تقسيم البلادِ القديمة.. التي تشكِّلُ وحدةً جغرافيةً وحضاريةً متكاملة.. إلى كيانات.. وتقطيعِ أوصالِها.. وإعاقةِ دورتِها الإقتصادية والحياتية بشكلٍ عام.. دون تنظيم العلاقاتِ الجديدة.. التي نشأت بين تلك الكياناتِ السياسية المُستحدَثة.. وتدبيرِها.. جرى ما جرى.

إنما مكثَ الوضعُ مختلفاً.. وطبيعةُ الناسِ مختلفةً.. والظروفُ مختلفة أيضاً.

ولكنَّ ثقافةَ ونظريات بوش أو ريغن أو بيغن لا تختلفُ كثيراً.

لا في الحدِّ من المدِّ الشيوعي والثوري في العالم.. من خلالِ تنشيطِ الخلايا والتنظيمات الأصولية والسلفية.. ومن خلال محاربةِ الدول والحركات التقدميَّة والتحرُّرية أيضاً.

ولا في مكافحةِ الإرهاب.. حسبما يصنِّفونه ويوزِّعونه على الأنظمة السياسية وعلى المجتمعات البشرية.

ولا في حرقِ الأعداء بالنار.. من خلالِ ارتكابِ المجازر بحقِّ مدنييهم العُزَّل.. مع سلبِهم أو عدمِ إعادةِ أيةِ حقوقٍ مسلوبة لهم.. وإن اتَّضحوا أصحابها الشرعيين.

ومن البائنِ بعد أن غابَ ريغن.. وسقطَ بيغن.. وبدأ حلفاءُ بوش بالتهاوي.. واحداً تلوَ الآخر.. أو بدأوا الابتعادَ عنه وعن نظرياتِه وخططِه المتهوِّرة.. من أزنار إسبانيا.. إلى برلوسكوني إيطاليا.. إلى بلير إنكلترا قريباً.. مروراً بكلِّ المُنسحبين من العراقِ وأفغانستان.

كما بدأ الذين في إدارتِه بالرحيلِ مع الفضائح.. أو الرحيلِ بصمتٍ.. دون فضائح.

ما زالَ الأخوانُ في لبنان.. على عهدِهم له باقون.. ولهيبتِه.. وتمثيلِه أمام الكاميرات.. مصدِّقون.. وعلى وعودِه.. بانون آمالاً.. وغداً مشرقاً.

إنما الصراعُ بين المفاهيمِ باقٍ.. والحياةُ مستمرَّةٌ كيفما استمرَّت.. بحلاوتِها ومراراتِها.

ومن بين تلك المفاهيم.. التقليدية.. المتناحرة أو المتعاركة محلياً عندنا.. مع غيرِها من المفاهيم.. ومنذ زمنٍ: الإنعزاليةُ.

التي اختارت مؤخراً أن تركبَ موجةَ المشروعِ الأميركي والشرق الأوسطي الجديد..

وهذا بديهيٌ بالنسبةِ إليها.. كونها رفضت الاندماجَ الاجتماعي.. والعلاقات الطبيعية مع محيطِ لبنان الطبيعي..

فارتبطَت بكلِّ المشاريع الخارجية.. ولم يثبتْ روَّادُها ومنظِّروها تاريخياً.. أنهم أحبُّوا السلامَ والاستقرارَ والازدهار.. كما ادَّعوا باستمرار.. وهذا واقعٌ وتحصيلٌ حاصل.

قد يسخرُ المعاصرونَ من بين هؤلاء الروَّاد.. من هذا القولِ أو ذاك.. ومن تلك الحقيقة أو تلك..

لأنَّ لا همَّ بالنسبةِ لهم.. كيف سيسيرُ المشروعُ الأميركي أو يميل.. وماذا سيحقِّقُ أو لا يحقِّق.. وإلى أين سيصلُ ليوصلَ الناسَ معه.

فطالما أنَّ الوعيَ الوطني في صفوفها.. بحالةِ قيلولة.. والمصلحة الوطنية العُليا في أعمالِها.. لا قيمةَ عُليا لها.

لا فائدةَ معها من الكلامِ وحدِه.. والفعلُ اليوم في مواجهتِها ومواجهة أربابِها الخارجيين.. هو ما يصنعُ التاريخَ المقروء في الغدّ.

وعزاؤنا هو في أنَّ هذه المدرسةُ الإنعزالية - المتمسِّكة بالمنطقِ الأعوج.. وبالذرائعِ الواهية.. وبقاعدةِ تحريفِ المسائل.. وتمويهِ الحقائق.

والمُطلَّة دائماً بوجهَين.. والموازية أو المُشابهة بتعصُّبِها وتطرُّفِها وانغلاقِها وعلاقاتِها المشبوهة.. للأصولية والسلفيَّة - عادت إلى وضعيتِها الطائفية وقتَ انطلاقِها مع بدايات القرن العشرين.. في أن تتوزَّع وتُعمَّم على أكثرِ من طائفةٍ واحدة وربما على كلِّ طوائف البلد ولو بنسبٍ متفاوتة.  

ومنه لم تعُد حِكراً على الموارنة كما كانت فترةَ الحرب الأهلية.. عند ارتباطِ بعضِ قادتِهم ونسبةٍ منهم بالمشروعِ الأميركي - الصهيوني المدمِّر والغريب عن طبيعةِ المجتمعِ اللبناني..

وهذا حتى لا يدَّعي بقيةُ الإنعزاليين اليوم.. أو بقيةُ المتأثِّرين إلى حدٍ ما بالإنعزالية.. ممن تصدُّوا جانبياً للمؤامرة.. التي أشعلت الحربَ أو لم يتصدُّوا أبداً لها.. وكما ادَّعوا في حينِه.. الوطنيَّة.

 

الصفحة الرئيسية