القيادة القومية

 

يبدو أنَّ القياديين والمسؤولين الحزبيين ومنذ البداية، فهموا من زعيمِهم ومؤسس حركتهم الذي وضعَ نفسَه وقفاً على أمتِه وبالتالي على الأمة المصغَّرة والمجسَّمة بالحزب، أنه وقفٌ عليهم في المحصِّلة كممثلين شرعيين عن هذه الحركة إلى جانب السلطات الرسمية وأمام الرأي العام، وهذا حسبما تبيَّن من سلوكِهم ورؤاهم وقراراتِهم وكل ما فعلوه وظنُّوه مناسباً.

وهو بالتالي لا يملكُ الحقَّ على حياتِه وراحته ونفسِه بقدر ما يملكون، لأنَّ مصيرَ الحزبِ والأمة مرهونٌ به وبما يفعلهُ.

فهم بالتالي حريصون على الشارد والوارد بحيث لا يجوز له ارتكاب أي خطأ، هذا إن أخطأ. بل يجوز لهم وحدهم ذلك، وفق المفاهيم المرضيَّة المتخلِّفة والمعروفة التي ورثوها عن مجتمعنا، ولأنهم اعتقدوا في هذا الإطار أنَّ قدرتهم عالية وثقتَهم بأنفسِهم لا تقبل المراجعة، فلم يسلِّموا بالتالي بتفوُّق زعيمهم فعلياً عليهم لا إدارياً ولا فكرياً ولا مناقبياً، إلاَّ ربما نظرياً.

ولم يسلِّموا تماماً بقدرتِه على قيادتِهم نحو النصر وتحقيق غاية الحزب التي وضعَها بنفسِه، ولم يثقوا حتى بكفاءة المتولِّين المسؤوليات الحزبية بعد تلك المرحلة، مما آلَ بعد زمانٍ لتكريسِ مناخِ الوصاية المناقضة لطبيعة النظام الحزبي الملازم للعقيدة والدستور، وأدَّى للتداخُل في الصلاحيات والواجبات، ولتحويل إدارةِ الحزب إلى إدارةِ حزبٍ شبيهٍ ببقية الأحزاب السياسية العادية في لبنان، من الصنف الذي تقفُ وراء معظمِه، اعتباراتٌ عائلية وطائفية.

وهكذا صادروا بمختلف الحججِ والمبررات راحتَه وخصوصياتِه وكل ما يمتُّ له من قريب أو بعيد بصلة، بما في ذلك حزبَه وأسرتَه، التي ظلَّت معظم حياتها خاضعة لتصوُّرهم ومزاجيتهم وما ارتأوه صالحاً لأجلِها.

وهذه المصادرة أو هذا التدخُّل الحصري في شأن الرمز أو القائد أو الزعيم أو المسؤول أو حتى العضو المميَّز، والذي لا يمكن أن يجدَ سبيلَه إلى أي نجاح أو إلى أية نتائج مرضية، تكشَّف بعد حين أنه أسرَ وما زالَ يأسرُ كلَّ الأعضاء الناجحين على الصعيد الشخصي والمقتدرين في قالَب من ذاك التخلُّف المرضي الذي لا يخلو من نزعةِ " الأنا " الآيلة في أحيان كثيرة للإرتزاق والإلتصاق والتهافت والتنافُس والتناحُر وحتى الخيانة.

وهذا السلوك لا يدلُّ ولا في أي عرفٍ أو معيار أو وفق أي منظور على غير ما تفضَّلنا به، ولو أُلِّفت حكايات ورويَت قصص من وحي المخيِّلة ومن مواهب التأليف والكتابة.

وهذا ما عانى المجتمعُ منه قروناً طويلة، ما زالت مؤثِّرة حتى قرننا هذا، فلا شيء غريب أوغير مفهوم، قد طرأ بالنسبة لنا.  

فإذا جازَ السكوتُ عن كلِّ الحاصِل في أيامنا، بعد أن انجلَت الصورةُ وتوضَّحت المواقف وترتَّبت النتائج، وباتَ التراوح بين الغباء والخيانة مروراً بالإهمال والتقاعس والأخطاء المتكررة، وارداً في أية لحظة وعلَّةً يوميةً من علل الحزب الكُبرى والصُغرى، مما قضى بعون الظروف المؤاتية والجهات الخارجية على المؤسسات دون السياسيةِ والانتفاعيةِ منها، وأدَّى لاضطهاد المفكِّرين واستبعادِ المناقبيين واعتقال المندفعين واغتيال المخلصين وإفسادِ الباقين.

فقد تكرَّست بالمحصِّلة، حرفيَّةٌ نظاميةٌ لا تأخذُ بالمضمون بل بالشكل فقط، حتى أن القياديين والمسؤولين المذكورين - من مختلفِ الأجيال المتعاقبة، والذين فهموا ما كتبَه سعادة دون أن يفهموا سعادة بشخصِه وانفتاحِه وبمشروعه الشامل الهادف لبناءِ أمةٍ عُظمى وعزٍّ قومي - باتوا يحتمون بستار تلك الحرفية ويختبئون وراءه، متملِّقين ومسايرين أو مهددين ومتوِّعدين ومطمئنِّين أنه سوف يقيهم إلى ما لانهاية، أسئلةَ الناس وهجماتِ القوميين عليهم من أبناء الحياة.

ومن هنا نعي ما جرى وما زال يجري اليوم وندرك تماماً أنَّ فشلَ المؤسسة في تحقيق أيٍ من أهدافِها وفي تأمين نجاحٍ ونموٍ واستمرارٍ مقنعٍ لذاتِها، بعد أن بلغت من العمرِ سبعين سنة ونيِّف. لا يغيِّرُه القديمُ والمهترئ والبالي من المفاهيم، ولا المشبوهُ والمرتهنُ والمنحرفُ من العلاقات والصفقات، بل ما هو جليٌ وعقائديٌ ومُستوحى من أفكار المؤسس وطموحِه وأهدافِه السامية والنبيلة.  

ومن هنا نعي أيضاً كيفَ تمكَّن هؤلاء من زجِّ كل القوميين باستثناءِ عشراتٍ منهم في السجون، من خلال اغتيالِ المالكي المُبهم في الشام، ومن خلالِ محاولةِ انقلابٍ بيضاء، لكن غريبة وعجيبة في معطياتِها وفي تفاصيلها، لا بل فريدة من نوعِها في تاريخ لبنان والعالم.

وكيف تمكنّوا - بالتعاون مع الجهات الواقفة في الظلِّ التي تعاونوا معها آنذاك وأقرَّ بعضُهم بتعاونِه بعد سنواتٍ عديدة، أو حصدَ نتائجَ ذاك التعاون البائنة دون إقرارِه. وتمكنّوا بالتعاون مع الجهات التي بنوا معها في مراحلَ لاحقة علاقاتٍ شخصية إن جازَ التعبير، الغربيَّة منها المتآمرة أصلاً أو الشرقية وعلى رأسِها ممن عُرف ولو بعد حين بولائه الرديف وفضائحِه المُتمادية - من إضعاف التنظيم الحزبي وإنهاكِه إلى حدِّ الإنهاء، بعد أن أرسى المقاومةَ في الشرق منذ الثلاثينات وعادَ وأطلقَ الوطنيةَ منها عقب اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982.

فقد استرسلوا في التنازُل عن مواقعِهم، موقعاً تلوَ الآخر وعن مبادئهم وأهدافِهم ولو المرحلية وعن شهدائهم وكلِّ من ضحَّى في سبيل القضيَّة، معتبرين هذه الشؤون مندرجة في أطرٍ فرديَّة لا علاقةَ حقيقية لهم بها، حتى باتوا حزباً سياسياً صغيراً لا يجتمعُ حوله 10% من الأعضاء المنتمين للحزب القومي منذ تأسيسِه. لمَّا تقصَّدوا أيضاً وبوسائلَ عديدة بما فيها المنحطَّة واللامناقبية، دفعَ القوميين للبقاء في منازلِهم والعزوف عن النشاط التنظيمي أو الانخراط في أجواء الفساد الوصوليَّة، ولو استفادوا إعلامياً من بعض المناسبات القومية والوطنية، للظهور والوقوفِ على المنابر تحت الأضواء. بحكمِ أنَّ هذه المناسبات تجمعُ تلقائياً أعداداً من الحزبيين ومن المواطنين ممن اعتادوا أن يتنادوا دون أن يناديهم أحدٌ أو يكون له أيُّ فضلٍ في جمعِهم وفي الإبقاء على تماسكِهم أو معنوياتِهم وحتى على وسيلةِ اتِّصالٍ بهم.

فإذا تلطَّفَ القدرُ بهذه البلاد ووهبها مقاومةً استشهادية وعقائدية بديلة. لم يتلطَّف حتماً بمقاومتِها القومية والوطنية الأولى ، التي انتهى دورها واندثرت عملياً بظلِّ عدم بقاء القوميين على الأرض ممن عانوا الكثير وكان بإمكانِهم إحياؤها وإنقاذُها.

لكنَّ البلاد كالحياة تستمرُّ ولن يقفَ أحدٌ عند حدودِ زمانٍ أو مكانٍ ليرثي تاريخاً ميتاً إلى ما لا نهاية.

وإذا قلنا إن أبناء الحياة همُ للحياة، فكلُّ مواطنٍ وإنسانٍ عصريٍ وواعٍ ومتحضِّر وملتزم بحدود الحضارةِ والمناقبِ والوطنية، لهو من أبناء الحياة دون أدنى ريب.

 

 الأمين حبيب الشرتوني